صفحه اصلی|اخبار|درس خارج فقه نظام سیاسی اسلام|تماس با ما
منو اصلی
اوقات شرعی
ورود
نام کاربری :   
کلمه عبور :   
عضویت
الفصل الثانى الابعاد العالمية للدولة الاسلامية
الفصل الثانى الابعاد العالمية للدولة الاسلامية تاریخ ثبت : 1390/12/03
طبقه بندي : الدولة الاسلامية دولة عالمية ,
عنوان : الفصل الثانى الابعاد العالمية للدولة الاسلامية
آدرس فایل PDF : <#f:86/>
مولف : <#f:89/>
نوبت چاپ : <#f:90/>
متن :

|61|

الفصل الثانى الابعاد العالمية للدولة الاسلامية




مقدمة

حينما نتكلم عن دولة اسلامية فانما نتكلم عن دولة عقائدية، و قبل الدخول في
دراسة الابعاد العالمية للدولة الاسلامية نحتاج إلى وقفه قليلة نتأمل فيها دور العقيدة
في تطوير الواقع السياسي، أو الكيفية التي يُتاح للعقيدة من خلالها اتحاف الواقع
السياسي بدولة عالمية، و لكي نوضح هذا الدور نحتاج إلى بيان مثال اجتماعي
ملموس قابل للأنطباق على ما هو المطلوب لدينا تماماً.

في مجلس العائلة يجلس الابناء واحداً تلو الآخر، و حضور كل واحد منهم إلى‏
جنب الآخر يمثل اضافة عددية لا تؤثّر في واقع الآخرين، و مهما تعدد الابناء يبقى
كل واحد منهم يشعر بالاصالة و الاستقلال عن الآخر، و أي مبادرة من أي منهم
تجاه الآخرين تعد عدواناً عليهم مالم تحض برضاهم و موافقتهم، و ليس لأي منهم
ان يتخذ قراراً بشأن الآخرين ما لم يكن لهم دور في صنع لهذا القرار.

ثم يدخل الاب فيجلس في المحل المناسب له، إلّا ان حضوره بين ابناءه ليس له
خصائص الاضافة العددية، فهو ليس مجرد شخص يضاف إلى الحاضرين، و انما
هو اضافة نوعية تؤدي إلى انقلاب الواقع النوعي للحاضرين. اذ يفقد الابناء
بحضورابيهم شعورهم بالاستقلال و الاصالة، و يصبح شعورهم الجديد هو التبعية


|62|

له، دون ان يشترطوا على ابيهم ان يشاورهم و يجعل لهم حصة مساوية لحصته في
صنع القرار. و هكذا فنظام العائلة قائم على اساس ان يتمتع المركز الابوي الطبيعي
بخصائص الاستقلال و الأصالة و حق اتخاذ القرار، و حينئذ لا يبقى للأبناء إلّا
التبعية و الاحترام لمواقف الأب.

فللأسرة خصائص معينة تتمتع بها لدى وجود الأب، و خصائص اخرى‏ عند
فقده، و العامل في ظهور هذه الخصائص أو تلك هو حضور الأب و غيابه، بينما لا
يكون لحضور و غياب سائر افراد العائلة هذا الانقلاب النوعي فيها.

و هذا الدور الذي يلعبه حضور الأب و غيابه في الأسرة مثال صالح للأنطباق
على دور العقيدة في حياة الانسان، فالعقيدة الالهية بما هي امتداد طبيعي عن اللّه
سبحانه و تعالى، يجسّد في حياة البشر الاجتماعية ارادة اللّه و خطاباته و حاكميته،
تحتل في حياة الانسان ما يحتله الأب من موقع طبيعي في حياة الاسرة، و بالتالي
فهي ليست عنصراً من العناصر في حياة الامة، ليست اضافة عددية كما يضاف
شخص الى اشخاص آخرين، و انما هي عامل نوعي يؤدي إلى انقلاب الواقع الذي
يعيشه الانسان انقلاباً نوعياً و جوهرياً كما ينقلب واقع الابناء عند حضور الأب
فيما بينهم.

و في ضوء ذلك نستطيع أن نقدّم رؤيتين مختلفتين للواقع الانساني، رؤيتنا له
عند ما لا تكون هناك عقيدة الهية، و عند ما تكون هناك عقيدة، ففي ظل غياب
العقيدة الالهية تأخذ العناصر المكونة للواقع الانساني خصائص الابناء عند فقد
أبيهم فتكون عناصر متأصلة في نفسها، و لا اصل وراءها تعود اليه و تكون تابعة له
كما هو شعور الانسان حينما ينظر إلى ما حوله و هو غير مؤمن باله خالق، فيرى
نفسه هو الاصل و ينكر ان يكون تابعاً لشي‏ء آخر، و حينئذ فكل مكوّنات حياته
تأخذ هذا الطابع.

و في ظل حضور العقيدة الالهية يشعر الإنسان بأصل مهيمن في الوجود يعود


|63|

كل شي‏ء إليه، و لا اصالة إلّا له سبحانه و تعالى، و كل شي‏ء تابع له، كما هو الانسان
يخسر شعوره بالاصالة، و يهيمن عليه الشعور بالتبعية حينما يكون إلى جنب ابيه. و
من الطبيعي ان تؤثر هذه النتيجة في عمق الحياة الانسانية و تجعلها بين خيارين
متفاوتين جوهرياً، و أن ينعكس اثرها على مختلف مجالات الحياة، و ابرزها
المجال السياسي.

فعندما تنعدم العقيدة ينظر الانسان إلى الارض نظرة متأصلة فتكون هناك
الوطنية بمفهومها الحديث الذي يعتبر الوطن مثلاً اعلى يُفتدى و يُضحّى من اجله، و
ينظر إلى اللغة التي يتحدث بها نظرة متأصلة فتكون هناك النظرة القومية التي تعتبر
اللغة خزيناً تُودع فيه القوميات خصائصها و تجاربها و طباعها، و ينظر إلى من حوله
ممن يشترك معهم ببعض المشتركات نظرة متأصلة فتكون هناك القومية المتعصبة
التي‏ترى ان لكل قومية خصائص مودعة فيها و روحاً كامنة بين جنباتها تهب لها
الامتياز على القوميات الاخرى، و ينظر إلى السلطة نظرة متأصلة فتتولد عنده
الديمقراطية التي تعتبر المشاركة الجماهيرية في السلطة اصلاً قائماً بنفسه بغض
النظر عن ما هو حق و ما هو باطل، و لا بد من اتباعه و ان ادى إلى مخالفة الحق و
تأييد الباطل.

و عند ما يعيش الانسان في ضلال العقيدة الالهية التي تكرّس حاكمية اللّه و
موقعه المتأصل في حياة الانسان، يشعر بتبعية طبيعية لهذا المحور، و بفقدان ما كان
يشعر به سابقاً من موقع متأصل، و من الطبيعي في مثل هذه الحالة ان ينعكس هذا
الطابع على ما يعيشه من واقع اجتماعي و سياسي.

فحينما ينظر إلى الارض سوف لا يجدها بالصورة التي يطرحها مفهوم الوطنية
الحديث عنها، كمثل اعلى و كرمز يستحق الولاء و الفداء، و انما سيجدها عبارة عن
ضرورة من ضرورات الحياة، و حاجة من حاجاتها، و لازم من لوازمها،

و من الممكن ان تنشأ رابطة عاطفية بين الانسان و بين مسقط رأسه أو محل


|64|

عيشه، و لكنّ هذا ليس لأجل سبب ذاتي في تلك النقطة من الارض، بقدر ما هو
تجليات عاطفية ايجابية في الانسان يعكسها تجاه ما ترتبط به حياته من انسان و
جماد و نبات و حيوان و ماء و هواء، و مهما أشتدت هذه التجليات لا تصل إلى
مستوى‏ ان تكون هي الاساس في العلاقة مع الارض، و يبقى الاساس في العلاقة
معها هو الحاجة.

فمسقط الرأس إذا لم يوفّر هذه الحاجة للانسان يهجره صاحبه و ينتقل إلى نقطة
أخرى توفر له حاجاته و تشبع اغراضه، و لذا قال أميرالمؤمنين(ع): «ليس بلد
بأحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك»
[1]، و هاجر النبي(ص) من مكة مع اصحابه
دون ان تنقطع عاطفته تجاهها.

و حينما ينظر إلى اللغة التي يتكلّم بها يراها وسيلة يحتاج إليها للتفاهم مع
الآخرين، و لا ينظر اليها بالصورة التي تطرحها القومية الحديثة عن اللغات.

و هكذا حينما ينظر إلى الجماعة الانسانية التي يعيشها في وسطها، لا ينظر اليها
بمنظار القومية التي تجعل الخواص المحلية المشتركة هي الاصل في الانتماء إلى
هذه الجماعة، بل ينظر إليها بمنظار ايماني يجعل العقيدة هي الأصل و الخواص
المحلية عبارة عن هامش طاري‏ء في الشخصية الانسانية. كما هو الواضح من قوله
تعالى‏: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر و انثى‏ و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا
ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم)
[2].

فالذكورة و الانوثة، و القوميات والاوطان والالسنة و الالوان، خصائص محلية و
شكلية تقع على هامش الواقع الانساني، و من القبيح ان يقع التفاضل بمثل هذه
الخصائص دون الخصائص الاصيلة المتمثلة بالجانب الروحي و المعنوي و القيمي
عند الانسان.


(1). نهج البلاغة / قصارالحكم 442.

(2). سورة الحجرات / 13.


|65|

و حينما ينظر إلى الحياة السياسية يرى ضرورة مشاركة الامة في السلطة من
باب الشورى‏ بما هي وسيلة لادراك و اكتشاف الحقيقة، و لا ينظر إلى هذه المشاركة
من الزاوية الديمقراطية بما هي قيمة عليا في الحياة السياسية سواءاًادت الى حق او
باطل، الشورى في الاسلام وظيفة من وظائف الحاكم و شرط من شروط السلطة و
ليست هي الأساس و المنبع لشرعية الجهاز الحاكم، و وظيفة الحاكم ليست هي
الأخذ برأي الاكثرية، و انما وظيفته العمل بالصواب المتجلي من خلال عملية
الشورى‏ بغض النظر عن طرفي الاقلّية و الاكثرية، و قد يأخذ برأي الاكثرية لكن لا
لأجل صفة الاكثرية و انما لأجل ما يتجلى له من خلال عملية الشورى‏ من ان
الصواب هو ما عليه الاكثرية، او ان الصواب هو متابعة الاكثرية من باب المداراة و
الحيلولة دون انشقاق المجتمع، و النصوص الاسلامية في هذا المجال تشير إلى هذه
الحقيقة. مثل قول الإمام علي(ع): «اضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب»
[1]
و قوله(ع): «من استبد برأيه هلك و من شاور الرجال شاركها في عقولها» [2]
فالمشاورة ليس لها قيمة موضوعية ذاتية، و انما هي ضرورة للتوصل إلى الصواب،
و كيف تكون المشاورة ذات قيمة ذاتية في الوقت الذي لا تحضى الدولة و رئاستها
على مالها من الاهمية بهذه القيمة، و انما هي من وجهة نظر الاسلام وسيلة لاقرار
حاكمية الدين في الحياة و تكريس العدالة و اعطاء كل ذي حق حقه، كما هو واضح
من كلام أميرالمؤمنين(ع) مع ابن عباس يوم قال له: ما قيمة هذا النعل؟

فقال له ابن عباس: لا قيمة لها، فقال(ع): «و اللّه لهي احبّ اليّ من امرتكم، الا
أن اقيم حقا، أو ادفع باطلا»
[3].

فالدولة مطلوبة لأجل هذه القيم فإن قام بها زيد و أحسن ادائها لم يكن لعمر ان


(1). غررالحكم / ص 152.

(2). نهج البلاغه / قصارالحكم 161.

(3). نهج البلاغه / بداية الخطبة 33.


|66|

ينازعه فيها و ان كان له من الانصار و المؤيدين أكثر من زيد، من مجموع هذه
الامثلة التي تمثل جوانب مختلفة و عميقة من الحياة الانسانية يتضح لنا الدور
الجوهري العميق الذي تلعبه العقيدة الالهية في الحياة الانسانية، و يتجلى بنحو
واضح في الجانب السياسي منها.

و قد طرح آية اللّه السيد الشهيد الصدر«قدس‏سره» هذا المعنى بنحو آخر حينما
بيّن في محاضراته القرآنية عناصر المجتمع في ضوء آية الاستخلاف (و اذ قال
ربك‏للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها و
يسفك‏الدماء...)
[1].

فذكر ان للمجتمع صيغتان، صيغة ثلاثية، و صيغة رباعية، الصيغة الثلاثية هي
المكوّنة من انسان و أرض و علاقة، فهذه ثلاثة عناصر، العنصر الأول و الثاني
موجودان في كل مجتمع بنحو ثابت، و العنصر الثالث و هو العلاقة بين الكون و
الانسان هو العنصر المتغير من مجتمع لآخر، فاذا جمدت العلاقة على طرفين هما
الانسان و الارض كانت النتيجة مجتمعاً ارضياً يزعم لنفسه ملكية الارض، لكن
الحقيقة هي ان الارض تملكه، و المادة تحكمه، و إذا طورت هذه العلاقة و ادخل
فيها عنصر رابع هو اللّه سبحانه و تعالى انقلبت العلاقة من علاقة ملكية و سيادة إلى
علاقة استخلاف و استئمان، و هكذا يتضح ان«اضافة الطرف الرابع للصيغة الرباعية
ليس مجرد اضافة عددية، ليس مجرد طرف جديد يضاف إلى الاطراف الاخرى‏،
بل ان هذه الاضافة تحدث تغييراً نوعياً في بنية العلاقة الاجتماعية و في تركيب
الاطراف الثلاثة الاخرى نفسها...هذا الواحد الذي يضاف إلى الثلاثة سوف يعطي
روحاً اخرى و مفهوماً آخر...اذ يعود الانسان مع اخيه الانسان مجرد شركاء في
حمل هذه الامانة و الاستخلاف، و تعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات و بكل ما


(1). البقره / 30.


|67|

عليها و من عليها مجرد امانة لا بد من رعاية واجبها و اداء حقها...»[1].

و حينئذ فالمجتمع الاسلامي هو مجتمع الصيغة الرباعية، و الدولة الاسلامية هي
دولة العنصر الرابع الذي يُعطي الدولة روحاً اخرى و مفهوماً آخر ينعكس على كل
ابعادها و اركانها، فيكون لها مفهومها الخاص عن الامة، و مفهومها الخاص عن
الوطن، و مفهومها الخاص عن العلاقات الدولية.


الحياة الإنسانية ظاهرة عقائدية

أن الإنسان مخلوق مزدوج من روح و مادة، و مركب من عقل و غريزة، و أن
النشاط الإنساني - و من وراءه حركة المجتمع و التاريخ - ما هو إلّا حصيلة لنشاط
هذين العنصرين و الجزئين، الروح و العقل من جهة، و الجسم و الغريزة من جهة
ثانية. و النقطة المثيرة للبحث هي: أي من العنصرين يقوم بالدور الأساس؟ و أي
منهما يقوم بدور الظل و التابع؟

فهل النشاط الإنساني ينبعث من الغريزة و يكون دور العقل و الفكر هو التبرير و
التنظير و اكتشاف سُبل التنفيذ؟ أم ينبعث من العقل و الفكر، و يكون دور الغريزة هو
التكيّف مع قراراتهما؟

على الرأي الأوّل تكون الحياة الإنسانية ظاهرة غريزية بيولوجية، و على الرأي
الثاني تكون ظاهرة فكرية أو عقائدية بالمفهوم الواسع للعقيدة الشامل لكل فكرة
يحملها الإنسان و تكون محوراً لسلوكه اليومي.

و لا يمكن القول بتكافؤ الدورين؛ لأن انبعاث النشاط يدلّ على وجود قوّة
راجحة أفرزته. و من الممكن أن تتذبذب الشخصية الإنسانية بين الدورين فتتبع
أقواهما. و لا يمكن حصول التوافق بين الدورين إلّاعلى أساس أن يكون أحدهما
هو المحور و الثاني تابعاً له، لأنهما من ماهيتين مختلفتين و نوعين غير متجانسين.


(1). المدرسة القرآنية / ص 131-130.


|68|

و منذ البدء لابدّ أن نقول: إن البحث الفكري في هذه المسألة نفياً و إثباتاً يتطلّب
مجالاً خاصّاً به، و لا تسعنا الفرصة هنا للخوض فيه. و الذي يهمّنا هنا هو استجلاء
الموقف الإسلامي كمقدّمة للوصول إلى موضوع دراستنا هذه.

و في الحقيقة إن هذه المسألة تمثِّل مثار خلاف بل تناقض أساسي بين نوعين
من النظريات. فالنظرية السماوية الدينية تنظر إلى الروح و العقل على أنهما الامتداد
السماوي على مستوى الفرد و المجتمع و التاريخ، و تسلك إلى إثبات ذلك سبيل
البحث الفلسفي و الأخلاقي، فيما تنظر النظرية الأرضية الوضعية إلى جانب الغريزة
- بالمفهوم الواسع للغريزة - و تعتبره الأساس في تفسير السلوك الانساني على
المستويات ذاتها، و تسلك إلى إثبات ذلك سبيل البحث الأكاديمي القائم على
الملاحظة و التجربة، كعلوم الأحياء و النفس و التربية و الاجتماع. و ما النظريات
العرقية و الجغرافية و الاقتصادية و السيكلوجية التي ظهرت في مجال تفسير حركة
المجتمع و التاريخ إلّاتعبيرات مختلفة عن التفسير الغريزي للإنسان و سلوكه.

لقد عُرِّف الإنسان بأنّه حيوان ناطق أي حيوان مفكِّر. و من الناحية الإسلامية قد
لا يكون هذا التعريف سائغاً لأنّه يتضمّن الإقرار باستناد الإنسان إلى قاعدة حيوانية.
بينما تفيد بعض الآيات القرآنية الواردة بشأن خلق الإنسان أنّه نوع قائم بذاته و
مخلوق من طراز خاص. و أنّه قد استحق الخلافة الإلهية و السيادة على باقي
المخلوقات لما يحمله من الماهية الخاصة. و لكن هذا التعريف يتّفق مع وجهة النظر
الإسلامية في أن انسانية الإنسان تتقوّم بخاصية الفكر لديه و هي الخاصية التي
احتج بها الله سبحانه على الملائكة عندما تساءلوا عن الحكمة من جعل الإنسان
خليفة في الأرض.

قال تعالى: (و علَّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني
بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم
الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إني


|69|

أعلم غيب السماوات و الأرض و أعلم ما تبدون و ماكنتم تكتمون) .[1]

و هكذا فخاصية الفكر هي الأساس الذي تتقوّم به إنسانية الإنسان من جهة، و
الباعث على وجود الإنسان في الأرض من جهة ثانية، و الملاك الذي كان من وراء
جعل الإنسان خليفة و سيّداً على المخلوقات من جهة ثالثة. و من هنا كان العقل - و
هو آلة التفكير - أساس العقاب و الثواب و منطلق المسيرة الإنسانية. و القائد الذي
إذا ضلّ أدّى بصاحبه إلى الهلاك، و إذا اهتدى أدّى بصاحبه إلى السعادة، و بلحاظ
خاصية الفكر يمكننا تقسيم السلوك إلى ثلاثة أنواع:

1. سلوك غريزي محض، و هو السلوك الحيواني الذي لا ينطلق من أي فكرة
سابقة. و يتّصف بالجبرية لأنّ الحيوان لا يملك اختياراً آخر غير الغريزة و لا يملك
تفكيراً يساعده على الاختيار.

2. سلوك غريزي ناشى‏ء من فكرة سابقة باعثة عليه. فهو سلوك غريزي مشوب
بالفكر، لكن بفكر ضعيف لايمكنه مقاومة الغريزة، لذا لا يستطيع إلّا الدوران
من‏حولها.

3. سلوك فكري متين ينطلق بقوّة في واقع الحياة الإنسانية بحيث لا تستطيع
الغريزة أن تفرض ارادتها عليه. و قد يستجيب لهاو لكن من ملاكات فكرية معيّنة
لامن ضغوط و تحدّيات، و السلوك الأوّل سلوك حيواني محض ليس له في عالم
الإنسان وجود، لأن خاصيّة الفكر لا تتوارى عن الإنسان بحال من الأحوال و النوع
الثاني يحمل من رشحات الإنسانية شيئاً، لكننا ما لم نتأكّد من قيمومة الفكر على‏
الإنسان بحيث يكون العقل هو الموجّه و هو القائد لا الغريزة لا يمكننا أن نسمّي
السلوك الناتج سلوكاً إنسانياً خالصاً. و النوع الثالث هو السلوك الإنساني المطلوب
لأنّه ينطلق من خصيصة انسانية محضة و لا دور للغريزة في إنتاجه.

النوع الثاني هو مظهر لانحطاط الفكر و تدني الإنسان. و النوع الثالث يجسّد قوّة


(1). سورة البقرة: 33-31.


|70|

الفكر و رفعة الإنسان، و على هذين النوعين الاخيرين تتوزّع النظريات و
الآيديولوجيات. فالنظرية التي تنظر إلى الإنسان من زاويته المادية الجسدية تتبنّى
الغريزة و تنظّر لتأثيرها الواسع في السلوك و تدعو لاستسلام الفكر أمامها بحيث
يكون دائراً في فلكها. و النظرية التي تؤيّد رفعة الإنسان و تمجّد خاصية الفكر فيه
و تعتبرها الأساس و المحور في شخصية تدعو إلى تهذيب الغريزة و إطلاق العقل
لكي يكون مكيناً على إدارة دفّة السلوك و مواجهة تحدّيات الغريزة. النظرية الأولى
لا يمكنها إلاّ أن تكون وضعية لأنّ الإنسان بمفرده لايمكنه أن يصنع عقيدة تمكّنه
من السيطرة على طغيان عالم المادة و الغريزة و لا يمكنه التخلّص من أسرالصندوق
المادي الذي يحلّ فيه. و النظرية الثانية لا يمكنها إلاّ أن تكون سماوية لأنّ العلم و
العقل و الفكر خصائص من عالم غير مادي، فهي ماركة روحية سماوية «و علَّم آدم
الأسماء كلّها».

النظرية الأولى لا يمكنها أن تكون إنسانية لأنّها لم تنطلق من خصيصة إنسانية،
لأنّ البدن و الغريزة عالم مادّي ليس له صلة بإنسانية الإنسان. و النظرية الثانية لا
يمكنها الّا أن تكون إنسانية لأنّها تنطلق من حيث تنبع إنسانية الإنسان. من
خصيصة الفكر و الروح. النظرية الأولى تنتج إنساناً بديناً و لكن بدون قيم إنسانية، و
النظرية الثانية تصنع بدناً معتدلاً ذا روح خلّاقة تسرح بصاحبها في عالم القيم.
النظرية الأولى تفسّر السلوك الإنساني في ضوء عوامل مادية غريزية. فتارة تفسره
بالعامل الاقتصادي، و أخرى بالعامل الجغرافي و ثالثة بالعامل العرقي و رابعة
بالكبت الغريزي. و من ثم تحاول إقامة المجتمع الإنساني في ضوء هذه العوامل
غير الإنسانية فتريده تارة مجتمعاً اشتراكياً و أخرى مجتمعاً و طنياً و ثالثة مجتمعاً
قومياً ثم (تتطوّر أكثر!) فتريده مجتمعاً عابثاً (هيبيز). بينما تصرّ النظرية الثانية على
تفسير السلوك الإنساني في ضوء الفكر و الروح و الفطرة، أي بعامل إنساني محض،
و من ثم تعمل على إقامة المجتمع الإنساني في ضوء هذا العامل، أي إنّها تقيمه على


|71|

محور عقائدي.

إن المحور غير العقائدي ليس محلّاً لاختيار الإنسان و إرادته. فالإنسان لا
يختار الوطن و القومية التي ينتمي إليها، بل هو انتماء قهري يفرض عليه منذ تكوّنه
في بطن أمّه.

و إلى جانب هذا آمن ماركس و فرويد بانسحاق الإنسان أمام العاملين
الاقتصادي و الجنسي، ثم بالجبرية و الحتمية. و هذه رشحات من خصائص السلوك
الغريزي المحض الذي لمسنا جبريته في عالم الحيوان، بينما يقع المحور العقائدي
محلّاً لاختيار الإنسان و إرادته و لذا فهو حرّ في اختيار الأمّة العقائدية و الكيان
السياسي العقائدي الذي ينتمي إليه، و الانتماء يتبعه الولاء. فحينما ينتمي الإنسان
قسراً إلى أرض أو أمّة ما أو دولة ما فإنّه يجد نفسه في أجواء غريزية تفرض عليه
الولاء لرموز محدّدة مفروضة عليه. فمطلوب من الفرنسي أن يمنح ولاءه لفرنسا
الأرض و الأمّة و الدولة و الثقافة و التاريخ سواء كانت على حقّ أم على باطل و إلّا
عُدّ خائناً، و تختفي هذه الحالة في المحور العقائدي لأنّ الإنسان مختار فيه. فهو
يوالي أمّة اختار الانتماء إليها و كياناً كان حرّاً في الانتساب إليه. و لان المحور
العقائدي قائم على تبنّي قائم على تبنّي ما هو حق و رفض ما هوباطل.

إن الوطنية و القومية تمثِّلان شكل الوجود الإنساني. قال تعالى: (يا أيها الناس
إنّا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا...)
[1].

و لا يصلح هذه الشكل أن يكون محوراً و أساساً في بناء المجتمع الإنساني .

و كلمة «لتعارفوا» الواردة في الآية تستبطن الاستنكار و كأنها تريد أن تقول: إنّ
الانقسام إلى ذكر و أنثى و تكوّن المجتمعات من شعوب و قبائل حالة خلقها الله
سبحانه لتكون في خدمة هدف أخلاقي و هو التعارف. فلماذا صارت وسيلة
للصراع؟ و لماذا أصبحت بعكس الهدف الذي وجدت من أجله ؟ لقد أصبحت


(1). الحجرات: 13.


|72|

هكذا لأنّها اتُّخذت محوراً في بناء المجتمع، و ليس ذلك من شأن الوسيلة بل من
شأن الأهداف و المقدّسات و القيم الفكرية و الأخلاقية. ليس من شأن الغريزة أن
تكون محوراً في بناء المجتمع فإذا اختارها المجتمع محوراً له فقد التعارف و القيم
الأخلاقية و عاش التناحر و الصراع الداخلي، و هذه خصائص حيوانية تغزو
المجتمع الإنساني كلّما حاول الإنسان محاكاة الحيوان في سلوكه الغريزي.

بينما تمثّل العقيدة القيمة الخلقية للوجود الإنساني، و لذا تصلح وحدها أن تكون
محوراً في بناء المجتمع الإنساني، و إليها أشارت الآية السابقة في تتمتها: «إنّ
أكرمكم عندالله أتقاكم»، فالإنسان سواء كان في الغرب أم في الشرق. إذا استطعنا
أن نجرّده عن اللون و الوطن و القومية فإنّ حقيقته لا تتغيّر. لكننا إذا جرّدناه عن
محتواه الفكري و الروحي فإنه يصبح كائناً آخر و حقيقة أخرى. و من هنا تنقسم
الأرض و بتبعها المجتمع الإنساني في التصوّر السياسي الإسلامي إلى قسمين؛ قسم
يعتقد العقيدة الحقّة و هم المسلمون، و قسم آخر يعتقد العقيدة الباطلة و هم ما
عداهم. و تسمّى أرض المسلمين بدارالإسلام، و حصّة الآخرين بدار الحرب.

و الإسلام كأطروحة سماوية لا يسعه إلّا اختيار التفسير العقلي و الروحي
للسلوك الإنساني، و لذا اعتبر العقل أساس التكليف و ملاك العقاب و الثواب و
بالتالي منطلق المسيرة الإنسانية و محور حركة الفرد و المجتمع و التاريخ. و هذا لا
يتناقض مع ما قُرّر سابقاً من أن النشاط الانساني حصيلة العقل و الغريزة لأن، لان
الاخذ بأحد الطرفين لا يعني الغاء دور الطرف الاخر بل يعني خضوعه للطرف
المختار و تكيّفه معه.

و عالم العقل يقسّم الأفكار إلى صواب و خطأ. كما أن عالم الروح يقسّم السلوك
إلى حق و باطل. و العالمان متجانسان، فالصواب هو الحقّ و الخطأ هو الباطل. و
هما - أي العقل و الروح - يحكمان بأنّ الوجود ينبغي أن يكون مسرحاً لحركة
الحق وحده، و أن الباطل وجود غير مشروع، و أن ظهوره في أي بقعة من الأرض


|73|

انّما هو اغتصاب لها. و هكذا فللحق قيمومة طبيعية على الوجود؛ و منه الأرض و
المجتمع البشري الذي يستوطنها.

و طبقاً للنظرية السماوية التي تنطلق من الإيمان بإله أحدي أوجد الكون و هو
المدبِّر له و المهيمن عليه، فإن المقياس الذي يحكم به على كون الشي‏ء حقّاً أو
باطلاً يكون واضحاً. فالحق هوما يقرّره الله سبحانه و تعالى من أحكام تأسيسية
خارجة عن نطاق العقل. و ما يقرّره العقل الوجداني السليم من أحكام تكون دائماً
مورداً لتأكيد الشرع و إرشاده. و ما الإسلام إلّا اسم جامع لهذين النوعين من
الأحكام و المبادئ. و بالتالي فهو الحق الذي يتمتع بصفة القيمومة و تكون الأرض
بل الوجود ميدانه الذي يختص به. و من هنا كانت العالمية هي الأصل في كل دين و
نبوّة سماوية بحيث لا يتطلّب اثباتها الى دليل، بل يحتاج التقييد إلى إثبات. و من
هنا أيضاً كانت النبوّات و الأديان السماوية تجد نفسها صاحبة حق طبيعي في
القيمومة على الأرض و الانتشار فيها و مكافحة المعارضين لها. ففي نبوّة موسى(ع)
ورد قوله تعالى: (و نريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمّة و
نجعلهم الوارثين)
.[1]

و قوله تعالى: (و لقد نجيّنا بني إسرائيل من العذاب المهين. من فرعون إنّه كان
عالياً من المسرفين. و لقد اخترناهم على علم على العالمين)
.[2]

و في نبوّة عيسى(ع) قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إنّي متوفيك و رافعك اليّ
و مطهّرك من الذين كفروا و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم
القيامة)
[3]. و حول بني إسرائيل أيضاً قال تعالى: (و أورثنا القوم الذين كانوا
يُستَضعفون مشارق الأرض و مغاربها التي باركنا فيها)
[4].


(1). القصص: 5.

(2). الدخان: 30 - 32.

(3). آل عمران: 55.

(4). الأعراف: 137.


|74|

و قال أيضا: (قال موسى لقومه: استعينوا باللّه و اصبروا إن الأرض لله يورثها
من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين. قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما
جئتنا. قال: عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم و يستخلفكم في الأرض فينظر
كيف‏تعملون)
[1].

و في قصّة صالح(ع) قال تعالى: (و اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عادوبوّأكم
في الأرض)
[2].

و الأمر ليس خاصّاً بنبوّة دون أخرى. فالاستخلاف و وراثة الأرض قانون عام
يشمل كل النبوّات و كل الأمم. قال تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض)
[3].
(أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم) [4]. (إن
الأرض لله يورثها من يشاء من عباده)
[5]. (و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن
الأرض يرثها عبادي الصالحون)
[6].

و خلاصة كلّ هذه الآيات تفيد أن أتباع الأنبياء - نبوّة بعد أخرى - هم الأئمة
للبشرية و هم الوارثون للأرض من الكفّار الساكنين فيها. و هم الخلفاء و الخلائف
الذين جعلهم الله سادة البشرية. و هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. و هم الذين
اختارهم الله على العالمين.

و إذا كان ذلك هو شأن كل نبوّة فإنّ للاسلام حسابه التفصيلي الخاص، حيث
يمكننا إثبات قيمومته بالوجوه و الآيات التالية:

1. الآيات الدالة على قيمومة النبوّات التي سبقت الإسلام؛ فإنّها بنفسها تكون


(1). الأعراف: 128 - 129.

(2). الأعراف: 74.

(3). فاطر: 39.

(4). الأعراف: 100.

(5). الأعراف: 128.

(6). الأنبياء: 105.


|75|

دالة على قيمومة الإسلام بحكم خاتمية هذا الدين و وراثته للأديان السابقة.

2. الآيات الدالة على قيمومة النبوّات كقانون عام دون أن تسمّي نبوّة بعينها؛ فإن
الإسلام مشمول بهذا القانون و هو أكبر النبوّات و خاتم الرسالات.

3. قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدين
كلّه و لو كره المشركون)
[1].

4. قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدين
كلّه و كفى بالله شهيداً)
[2].

5. قوله تعالى: (و كذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس و يكون
الرسول عليكم شهيداً)
[3].

6. قوله تعالى: (و في هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم و تكونوا شهداء
على‏الناس)
[4].

7. قوله تعالى: (وعدالله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنّهم في
الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و
ليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً...)
[5]

8. قوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف
تعملون)
[6].

9. قوله تعالى: (و أورثكم أرضهم و ديارهم و أموالهم...) [7].


(1). التوبة: 33.

(2). الفتح: 28.

(3). البقرة: 143.

(4). الحج: 78.

(5). النور: 55.

(6). يونس: 14.

(7). الأحزاب: 27.


|76|

10. قوله تعالى: (و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) [1].

11. قوله تعالى: (و جعل كلمة الذين كفروا السفلى و كلمة الله هي العليا و الله
عزيز حكيم)
[2].

12. قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على
الدين كلّه ولو كره المشركون)
[3].

13. قوله تعالى: (و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كلّه لله) [4].

14. قوله تعالى: (و لله العزّة و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين
لايعلمون)
[5].

15. قوله تعالى: (هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج) [6].

16. حديث الإمام الصادق(ع): «الإسلام يعلو و لا يعلى عليه» [7] و قد نُسب في
المصادر السنّية إلى الرسول(ص)و لكن بهذا النص: «الإسلام يعلو و لا يعلى».

17. و من الممكن الاستشهاد لقيمومة الإسلام بالآيات التي و صفت الإسلام
بأنّه الدين القيم، و لكن بعد تفسير هذه الصفة بالقيمومة و صرفها عن التفسير بالقوام
أي ما يتقوّم به أمر الإنسان. و الثاني هو الظاهر من (مفردات الراغب الأصفهاني) و
قد اعتمده العلّامة الطباطبائي في تفسيره لكنّه ذكر المعنى الأوّل أيضاً و أشار إليه و
لم يرفضه.

إن هذه النصوص و الوجوه و غيرها ممّا لم يكن غرضنا استقصاءه تمثّل
الأساس الأيديولوجي لحق الإسلام في السيادة على الأرض و الإنسان. هذه


(1). آل عمران: 139.

(2). التوبة: 40.

(3). الصف: 9.

(4). الأنفال: 39.

(5). المنافقون: 8.

(6). الحج: 78.

(7). وسائل الشيعة ج‏26/ص 14.


|77|

السيادة التي صيغت عقائديا من خلال عنوان الحاكمية الالهية.

و الخلاصة من كل ذلك أن الإسلام هو الدين الحق الذي يجب أن يظهر على
سائر الأديان و يكون أتباعه شهداء على سائر الناس و خلفاء الأرض ؛ لأنّ كلمة
الله فيهم، و كلمة الله هي العليا، و أن تكون العزّة لهم وحدهم، و هذا ما يساوق
السيادة؛ إذ لا تنحصر العزّة بأحد من الناس إلّا على أساس أن يذعن الآخرون له، و
هذا ما يفرز قاعدتين في التصور السياسي الاسلامي هما:

1. القاعدة الأوّلية و هي أن تكون الأرض كلّها إقليماً واحداً لدولة واحدة
تسكنها أمّة واحدة هي أمّة الإسلام، و أن المسلمين مكلّفون ببسط سيادة التوحيد
على الأرض و عدم ترك بقعة واحدة منها لراية أخرى، و حيث إنّ تحقّق هذه
القاعدة موكول لانتصار المسلمين؛ لذا تظهر قاعدة أخرى إلى حين ظهور الدولة
العالمية الواحدة المستوعبة للأرض كلّها و هي الدولة المهدوية.

2. القاعدة الثانوية و هي أن تنقسم الأرض إلى دارين؛ دار للاسلام و دار
للكفر،و هذا الانقسام بلحاظ الواقع لا الشرعية؛ إذ لا شرعية للكفر في مطلق
الظروف والأحوال.

و حينما ننظر إلى هذه القاعدة نجدها خلاصة شديدة التركيز من الرؤية العالمية.
و لكي يكون بالإمكان شرحها و تسليط الضوء الكافي عليها لا بدّ لنا من تحليلها
إلى عناصرها الأولية التي تتكوّن منها و هي:

1. مفهوم الأمّة في الإسلام.

2. دار الإسلام و دارالكفر.

3. الدولة الاسلامية واحدة ام متعدّدة.

4. فريضة الجهاد و الدعوة.

إن هذه الأبعاد و القاعدة الفكرية التي انطلقت منها تبيّن أن المجتمع السياسي
الإسلامي يقوم على محور عقائدي و أن النشاط الإنساني المتجسد في حركة الفرد


|78|

و المجتمع و التاريخ إنّما هو من وجهة النظر الإسلامية ظاهرة عقائدية.


مفهوم الأمّة في الاسلام

الأمّة مفهوم حيوي يختلف من حضارة إلى أخرى، و من مدرسة فكرية إلى
مدرسة أخرى. و قد يختلف تبعاً للاختصاصات العلمية الأكاديمية أيضاً. فنجد له
تعريفاً في علم السياسية و تعريفاً آخر مختلفاً عنه في علم الاجتماع.

ففي الجاهلية العربية كانت الأمّة تعني الدين. قال الشاعر: و هل يستوي ذو
أمّةو كفور؟

و نسب إلى النابغة قوله:

فجاء الإسلام و أجرى تغييراً أساسياً عليه. فعندما نطالع الآيات التي وردت فيها
مفردة الأمّة نجد القرآن الكريم قد أوجد لها استعمالات جديدة و متعدّدة.
فاستخدمها في الدين و الطريقة و الجماعة من الناس، و الجماعة من الحيوان، و
الرجل القدوة المستجمع للكمالات، و الجماعة ذات المبدأ، ثم جاءت السنّة النبوية
فحددته و حصرته بالمعنى الأخير. ففي العشرات من النصوص النبوية نطالع
تعبير«أمّتي» و تعبير «أمّة محمّد» و تعبير «أمّة المسلمين» و تعبير «أمّة اليهود».

و عندما جاءت الحضارة الحديثة ابتكرت مفهوماً جديداً للأمّة ينطوي على
محدّدات جديدة كالتاريخ و اللغة و الثقافة و الجنس و الأرض. و يرى الباحث
أحمد حسين، أن الدارس للتأريخ الإنساني منذ اقدم العصور و حتى القرن التاسع
عشر لا يصادفه هذا المعنى الخاص للأمّة. فهناك الولاء للقبيلة و المدينة و الأمير و
الحكومة، أمّا هذا الولاء للجماعة المشتركة في الجنس و اللغة و الثقافة و التاريخ
فشي‏ء من مبتكرات القرن التاسع عشر و من مبتكرات أوروبا على وجه التحديد، و


(1). لسان العرب، ج‏1، ص‏213.


|79|

يلاحظ أيضاً أن قواميس اللغات العربية و الإنجليزية و الفرنسية و معاجمها لا
تنطوي على التعريف المتداول الآن عن الأمّة[1].

و يبدو أن تعدّد الآيديولوجيات و المذاهب الفكرية و الاختصاصات الأكاديمية
و تنوّع الأمم الغربية من حيث كيفية تكوّنها تأريخياً قد انعكس بشدّة على مفهوم
الأمّة، و جعله يعيش الإبهام و الغموض و الميوعة. فالماركسي و العنصري و
الليبرالي كلّ منهم وضع تعريفه الخاص به للأمّة، و كذلك الأمر بالنسبة إلى قوميي
الإنجليز و الأمير كان و الإيطاليين و غيرهم، لأنّ كلّاً من هؤلاء يمثَّل أمة تكوّنت
في ظروف تاريخية و اجتماعية مختلفة. فالألمان يركّزون على العرف و اللغة، و
الفرنسيون يختارون التاريخ و الآمال المشتركة، و الأمير كان منزعجون من عامل
التاريخ و اللغة، و مهتمون بعامل الأرض و التفكير المتجانس. و الإيطاليون يؤكدون
على وحدة الأرض و اللغة و العادات. و إذا سألت قوميي الهند وجدتهم مشمئزين
من وحدة الدين و الثقافة لأنّ هذا العامل يهدّد الأمّه الهندية بالانشطار إلى أكثر من
أربعمئة دين و ثقافة[2].

و الشي‏ء الذي تجتمع عنده هذه النظريات هو اتّفاقها على استبعاد العقيدة من
مفهوم الأمّة استبعاداً تامّاً، فلم تعد العقيدة المحور الوحيد للأمة، بل و لا أحد
العناصر المكوّنة لها.

نعم، الشي‏ء المتّفق عليه هو الثقافة، لكن الثقافة شي‏ء آخر غير العقيدة. و هذا ما
يدعونا إلى رفض النظرية التطورية التي طرحها الاستاذ محمد المبارك في كتابه
«الأمّة و العوامل المكوّنة لها» حيث أدّعى أنّ هناك سيراً ارتقائياً لمفهوم الأمّة. ففي
العصور القديمة كانت الرابطة العنصرية هي الأساس في تكوّن المجتمعات، و بشكل


(1). الأمة الإنسانية/ص‏29 - 30.

(2). انظر المصد السابق ص‏36 - 45 حول النظريات الألمانية و الفرنسية و الإيطالية و البلقانية و الأميركية
حول الأمّة، إضافة إلى النظرية الماركسية.


|80|

تدريجي بدأت تظهر العناصر المعنوية و تضعف العناصر المادية، حيث أدخلت
عناصر التأريخ و اللغة و الدين و الثقافة في مفهوم الأمّة إلى جانب عناصر الأرض
و القومية. و أخذ التركيز أخيراً يشتدّ على النوع الأوّل على حساب النوع الثاني.

إنّ هذه النظرية تتجاهل التاريخ الإسلامي الذي تجلّى فيه مفهوم معنوي خالص
للأمّة لا تشوبه أي شائبة مادية، حيث لا تقوم الأمّة في مفهوم الإسلام إلاّ على
عنصر معنوي واحد و هو العقيدة. بينما جاء عصر النهضة بمفهوم للأمّة يتكى‏ء على
العناصر المادية أكثر ممّا يتكى‏ء على العناصر المعنويه، و حتى العناصر التي
اعتبرها المبارك انها معنوية لم تكن بالنسية الى النهضة الأوروبية معنوية لأنّها كانت
قد أعطتها تفسيرات مادية. و هذا سير قهقرائي لا تطوّري.

و من الممكن تصديق هذه النظرية في حدود تاريخ النهضة الأوروبية نفسها
حيث بدأت هذه النهضة بفورة عنصرية عنيفة لكنّها بدأت تضعف منذ منتصف القرن
العشرين، و لكن لا يمكن الثقة بهذا التطوّر لأنّه نشأ من عامل سياسي متغيّر و هو
الفزع الأوروبي الشديد الذي خلقته الحربان العالميتان الأولى و الثانية الناتجتان عن
تلك الفورة المقيتة. و ما لم تتغيّر القاعدة المادية للحضارة الغربية لا يمكن التصديق
بتطوّر معنوي أوروبي حقيقي.

و لا زالت الأمّة في المهفوم الغربي تتقوّم بالأرض و الرابطة القومية بشكل
أساس، و لا يقصد من عوامل اللغة و التاريخ و الثقافة و الآمال المشتركة إلّا
المعنى‏القومي الذي يعكس تجليات و مظاهر قومية محدّدة فهي عوامل تابعة
للأرض و للغريزة القومية و ليست حاكمة عليها. أي أن الجماعة البشرية لا زالت
محكومة بالغريزة لا العقل، و هذه نقطة الخلل الأخلاقية المركزية في المفهوم
الغربي عن الأمّه.

و هي التي يقابلها الإسلام بالانتصار الحاسم للعقل حيث يجعل العقيدة و حدها
الأساس و المحور الوحيد الذي تقوم عليه الأمّة. ذلك أن العقيدة هي مظهر التوحيد


|81|

بالنسبة للأمّة. فكما لايحقّ للأمّة أن تعبد غير الله سبحانه و تعالى كذلك لا يحق لها
أن تكوّن نفسها على أساس غير العقيدة، و هذا لا يعني التحليق في السماء و قطع
الارتباط بالأرض، و إنّما يعني أن تكون الروابط الأرضية «تاريخ. لغة. آمال.
أرض. قوم» محكومة بالرابطة السماوية. بالتوحيد. بالعقيدة. (ذلكم الله ربّكم لا إله
إلّا هو خالق كلّ شي‏ء)
[1] و منه الروابط الأرضية. و أن الحكم لله (أمر ألّا تعبدوا الّا
إيّاه)
[2] و ألا تكون رابطة فوقه حتى تعبدوا (الله مخلصين له الدين) [3].

و لننصت هنيئة إلى الوحي و هو يحدِّثنا عن الرابطة التوحيدية المتحكمة
بالروابط الأرضية. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم و إخوانكم
أولياء إن استحبُّوا الكفر على الإيمان و من يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون. قل
إن كان آباؤكم و أبناؤكم وإخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقتر فتموها و
تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله و رسوله و جهاد
في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين)
[4].

(أم حسبتم أن تتركوا و لمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم و لم يتخذوا من دون
الله و لا رسوله و لا المؤمنين و ليجة و الله خبير بما تعملون)
[5].

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي و عدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة و قد
كفروا بما جاءكم من الحق يُخرجون الرسول وإيّاكم أن تؤمنوا بالله ربّكم إن كنتم
خرجتم جهاداً في سبيلي و ابتغاء مرضاتي تسرُّون إليهم بالمودّة... لن تنفعكم
أرحامكم و لا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم و الله بما تعملون بصير. قد كانت


(1). الأنعام: 102.

(2). يوسف: 40.

(3). البينة :5.

(4). التوبة: 23 - 24.

(5). التوبة: 16.


|82|

لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآءٌ منكم...) [1].

(لا تجد قوماً يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادّون من حادّ الله و رسوله و لو
كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و
أيّدهم بروحٍ منه)
[2].

(و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ و لأمة مؤمنة خير من مشركة و لو
أعجبتكم و لا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا و لعبدٌ مؤمن خيرٌ من مشرك و لو
أعجبكم...)
[3].

(و وصينا الإنسان بوالدية حسناً و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا
تطعهما...)
[4]

(و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و صاحبهما في
الدنيا معروفا...)
[5].

(الزاني لا ينكح إلّا زانية أو مشركة و الزانية لا ينكحها إلّا زانٍ أو مشرك و حرّم
ذلك على المؤمنين)
[6]

و خلاصة هذه التلاوة أن الأمّة الإسلامية تبدأ فرداً توحيدياً ثم أسرة موحّدة ثم
مجتمعاً توحيدياً يقبل كلّ شي‏ء ينسجم مع إطار التوحيد و يرفض كلّ شي‏ء يتضاد
معه. فعلاقات النسب المرفوضة بشدّة عندما تكون خارج إطار التوحيد نجدها
مطلوبة بقوّة عندما تكون ضمن أطار التوحيد، قال تعالى: (...و اتقوا الله الذي
تساءلون به و الأرحام)
[7]. (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا


(1). الممتحنة: 1 - 4.

(2). المجادلة: 22.

(3). البقرة: 221.

(4). العنكبوت: 8.

(5). لقمان: 15.

(6). النور: 3.

(7). النساء: 1.


|83|

أرحامكم) [1]، فالتوحيد هو المتحكم بالغرائز و الروابط و العواطف.

إن هذا الرسوخ و الاستحكام لدور العقيدة في بناء الأمّة الإسلامية يجعلنا
نرفض تقسيم المسلمين إلى جنسياتهم و قومياتهم و اعتبار العرب أمّة و الفرس أمّة
و الترك أمّة. فالمسلمون أمّة واحدة و ليسوا مجموعة أمم.

لقد وردت كلمة الأمّة في القرآن الكريم 64 مرّة و بمعانٍ مختلفة هي:

1. الطريقة أو الدين، قال تعالى: (...إنّا وجدنا آباءنا على أمّة و إنّا على
آثارهم‏مهتدون)
[2].

2. جماعة الحيوان، قال تعالى: (و ما من دابة في الأرض و لا طائر يطير
بجناحيه إلّا أمم أمثالكم)
[3].

3. جماعة الباطل، قال تعالى: (كلّما دخلت أمّة لعنت أختها) [4].

4. جماعة المسلمين، قال تعالى: (كنتم خير أمّة أخرجت للناس...) [5].

5. جماعة الناس، قال تعالى: (و لو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة...) [6].

6. الإنسان الكامل، قال تعالى: (إنّ إبراهيم كان أمّة قانتاً لله) [7].

و في تفسير الميزان عرّف العلّامة الطباطبائي الأمّة قائلاً: «الأمة جماعة يجمعها
مقصد واحد».[8]

و الظاهر أن هذا المعنى جامع للمعاني الستّة المذكورة حيث يمكن إرجاعها
بنحوٍ ما إليه.


(1). محمّد: 22.

(2). الزخرف: 22.

(3). الأنعام: 38.

(4). الأعراف: 38.

(5). آل عمران: 110.

(6). هود: 118.

(7). النحل: 120.

(8). تفسير الميزان/ج‏14/ص‏322.


|84|

و عندما ننظر في السنّة الشريفة نجدها أكثر تحديداً في استخدامها لمصطلح
الأمّة حيث أطلقته على جماعة المسلمين و جماعة أعدائهم. و فالمسلمون أمّة و
أعداؤهم أمّة أو أمم أخرى. و كثيراً ما ورد التعبير عن جماعة المسلمين ب'«أمّة
محمّد» و «أمّتي»، و لا أجد بين نصوص السنّة نصّاً يعيننا على اقتناص مفهوم الأمّة
أفضل من معاهدة المدينة أو صحيفة المدينة التي عقدها النبي(ص) مع أهل
الكتاب، فقد صدرها النبي (ص) بقوله: «هذا كتاب من محمّد بن عبد الله النبي نبي
المسلمين و المؤمنين من قريش يثرب و من تبعهم و لحق بهم و جاهد معهم إنّهم
أمّة واحدة من دون الناس...».

و اذا اقتطعنا من النص عبارة «و من تبعهم و لحق بهم و جاهد معهم» و قمنا
بتسليط الضوء عليها و جدناها تنضح بامتياز أساسي و هو أن الأمّة الإسلامية تقوم
على أساس مبدأ يقع ضمن إرادة الإنسان و اختياره، و من هنا جاءت الأفعال «تبع،
لحق، جاهد» بخلاف المفهوم غير التوحيدي للأمّة و المعتمد على روابط لا اختيار
للإنسان فيها كالأرض و التاريخ و الثقافة و القوم و اللغة، حيث يأتي الإنسان إلى
الدنيا فتفرض البيئة عليه هذه الروابط و تشدّه إليها من خلالها دون أن يكون له فيها
اختيار أو إرادة. فإذا ما كبر و اكتشف خللاً فيها و قرّر التمرّد عليها لا حقه أبناء
البيئة بتهمة الخيانة حيث يفترض في المفهوم الأرضي للأمّة أن يعطي الإنسان ولإه
لبيئته المتكوّنة من إنسان و أرض.و من هنا تنبع الأزمة الأخلاقية في المجتمع غير
الديني، حيث يعطي ولاءه لقيم مادية على غرار و لاء الإنسان البدائي للأصنام و
التماثيل، بينما يفترض أن يُعطي الولاء لقيم عليا و مُثُل مطلقة لتسمو بالإنسان و
تجعله يتحرّك في إطار لانهائي من الفضيلة، بحيث لا تتجمّد حركته الإيجابية نحو
الفضيلة عند نقطة من حياته. بل تواصل هذه المثل توظيفه في الخير و تمتص منه
كل قواه إلى آخر لحظة من حياته، لتوفّر للإنسانية معينا لا ينضب من طاقات الخير
و امكانات البناء. بينما تميت القيم المادية جذوة الخير في الإنسان، و لا توجّه إليه


|85|

إلّا نداء الانانية الذي يقتضي أن تستحوذ الذات الفردية أو الوطنية أو القومية على
كل شي‏ء من حولها و لا تترك للآخرين شيئاً فيهتف مثلاً: «ألمانية فوق الجميع» أو
«سودي يا بريطانيا و احكمي».

ان القيم المادية قيم جامدة تتجّمد عندها الروح و الأخلاق و يتوقّف المجتمع
بسببها على الروابط التي فرضتها البيئة عليه، و من هنا لا نجد فيه اتساعاً إلى ما
وراء اللغة و التاريخ و الأرض و القومية، إلّا على نحو العدوان و الاغتصاب و
السيطرة الاستعمارية.

بينما القيم الروحية قيم مطلقة خلّاقة تدفع الإنسان إلى النموّ، و المجتمع إلى
الاتساع، فإذا كانت النواة قد تكوّنت على يد الرسول الأعظم(ص) في المدينة فإن
هذه النواة ستتحرّك و ستنمو و سيلتحق بها آخرون و يتبعها الباقون، و سيقوم هؤلاء
الملتحقون و التابعون مع النواة بدورة جهادية جديدة من أجل النمو و الاتساع
المتواصل إلى أن يتحقّق ظهور الدين على الأرض كلّها «و من تبعهم و لحق بهم و
جاهد معهم»، و لا يقوم هذا الاتساع على العدوان و الاغتصاب و إنّما على الحكمة
و الموعظة الحسنة ؛ إذ لا إكراه في الدين، و القوّة الوحيدة التي يستخدمها هي قوّة
إزالة الفتنة التي تحول بين الناس و بين الدين و تفرض عليهم - بشكل ما - عدم
الالتحاق به.

و على أساس ذلك يكون المسلم الذي دخل الإسلام توّاً عضواً كباقي أعضاء
الأمّة الإسلامية، و لا تلحظ فوارق التاريخ و اللغة و القومية التي قد يتفرق بها عن
باقي المسلمين. و قد يرتقي المسلم الجديد في سلّم التقوى درجة تؤهله لمكانة
سامية في المجتمع، و قد يتخلّف المسلم المنحدر من سلالة إسلامية عريقة في
مكانة واطئة، و التاريخ الإسلامي ملي‏ء بشواهد الصعود السياسي و العلمي لأفراد
من الموالي و العبيد، و بشواهد الانتكاس لأفراد ينسبون إلى البيت النبوي.

و من الملاحظ أن اتساع الأمّة الإسلامية لا يتوقّف عند حدّ بل يستمرّ حتى


|86|

تستوعب الكرة الأرضية، ذلك أن الأمّة التوحيدية مرّت و تمرّ بثلاث مراحل هي:

1. مرحلة الوحدة الفطرية، قال تعالى: (و ما كان الناس إلّا أمّة واحدة
فاختلفوا)
[1]. و ذلك قبل نبوّة نوح(ع) فكان التوحيد شاملاً و مستوعباً للمجتمع
البشري كلّه.

2. مرحلة الانقسام بين التوحيد و أعدائه. و تشمل المرحلة التالية لنبوّة نوح(ع)
و المستمرّة إلى قيام الدولة المهدوية العالمية.

3. مرحلة الوحدة المهدوية، حيث تقوم دولة الإمام المهدي (ع)، و تكون
الارض كلّها إقليماً واحداً و دولة واحدة و أمّة واحدة.

و المرحلة الثالثة هي عملية استرداد تاريخي لطبيعة و خصائص المرحلة
الأولى، و المرحلة الثانية التي نحياها قد تتذبذب فيها الأمّة الإسلامية اتساعاً و
تقلصاً لكنّها في الحسابات النهائية في توسّع مستمر. و التاريخ يشهد أن الإسلام لم
يصل أرضاً ثم انحسر عنها إلّا في الاندلس حيث كان الانحسار استئصالاً صليبياً
دموياً و مروّعاً و لم يكن ارتداداً من الناس عن الإسلام، و هذا يعني أن الأصل الذي
خلق الله المجتمع البشري عليه هو أن يكون أمّة واحدة للإسلام و كأن الدولة
المهدوية العالمية ما هي إلّا عملية استرداد إلهي لهذا الأصل ضمن عملية الاسترداد
الكبرى التي ستجري في نهاية المطاف البشري للعهود و المواثيق الإلهية التي
أودعها الله سبحانه و تعالى في النفس البشرية و المسيرة الإنسانية. حيث يطالب
الله البشرية بالأصول التي خلقها عليها.

فالانقسام الذي تحياه الأرض بين أمّة الاسلام و أمم أعدائه حالة استثنائية، و
وظيفة المسلمين في هذه المرحلة هي مكافحة الاستثناء و استرداد الأصل. و
سنجد عمّا قليل في بحث دار الإسلام و دار الكفر أن الأصل في الأرض أنّها دار
واحدة للمسلمين.


(1). يونس: 19.


|87|

و هكذا نجد أن صحيفة المدينة قد طرحت مفهوماً حيوياً و واضحاً جدّاً عن
الأمّة. و من الغريب أن يستفيد الشيخ محمد مهدي شمس الدين من بعض نصوصها
وجود مفهومين للأمّة فيها، مفهوم سياسي و آخر ديني؛ و ذلك استناداً إلى فقرة من
الصحيفة ينص فيها الرسول الأعظم(ص) بأن «يهودبني عوف أمة مع المؤمنين
لليهود دينهم و للمسلمين دينهم» فهو يعتقد أن هذه الفقرة تعني: «التوحيد في
الانتماء إلى المشروع السياسي»، و أن العبارة السابقة التي و صفت المسلمين بأنّهم
«أمّة واحدة من دون الناس» تعني «أن الأمّة هنا تقوم على اعتبار الانتماء الديني
وحده»[1]. فكأن هناك أمّة تتكوّن من المسلمين و اليهود و أخرى تتكوّن من
المسلمين وحدهم، الأولى هي الأمّة الإسلامية بالمفهوم السياسي و الثانية هي الأمّة
الإسلامية بالمفهوم الديني. و لعل المنشأ لهذا التصوّر الثنائي هو وصف النبي ليهود
بني عوف بالأمّة. فتوقّف في هذا الوصف انطلاقاً من الاعتقاد بأن وصف الأمّة
خاص بالمسلمين، ثم فسّره بأن المراد منه وصف المجموع المتكوّن من المؤمنين و
بني عوف بالأمّة. و حينئذ يكون المقصود بها معنىً سياسياً غير المعنى الديني
المطروح في صدر الصحيفة. و الحال أن وصف الأمّة ليس خاصاً بالمسلمين و قد
وجدنا القرآن يستخدمه في جماعة الحق و جماعة الباطل على حدّ سواء، و لا
محذور في أن يكون أهل الكتاب أمّة تعيش في ذمة الامّة الاسلامية، و لا ضرورة
لأختراع مفهوم للمجموع المكوّن من أُمّة المسلمين و أمّة اليهود، لأنّهم أقلية ملحقة
بالأصل، و حتى الكيانات السياسية الحديثة لا تغيّر عنوانهالأجل التحاق أقلية
صغيرة بها، حتى لو كبرت هذه الأقلية و صارت وجوداً بشرياً معتدّاً به من الناحية
السياسية. فإن أهل الكتاب أهل دين باطل فلا يكون وجودهم مهما اتسع ملاكاً
لظهور مفهوم إسلامي خاص.

على أن العباره ظاهرة في الفصل بين اليهود و المؤمنين الذين وصفهم النبي(ص)


(1). نظام الحكم و الإدارة في الإسلام/ص‏536 - 537.


|88|

في صدر الصحيفة بأنهم «أمّة واحدة من دون الناس» و عبارة «من دون الناس»
يؤكد فيها النبي(ص) عدم صحّة إدخال غير المسلمين في مفهوم الأمّة، فتفسير
العبارة و كأنّها تقول: «إن يهود بني عوف و المؤمنين أمّة» تفسير يخالف المفهوم
المؤكّد من الصحيفة.

و في ختام البحث عن مفهوم الأمّة في الإسلام أجد ضرورياً نقل كلمة لعميد
قسم الدراسات العربية بجامعة ادنبرة (مونتجمري وات) حول المفهوم الإيجابي
للأمّة في الاسلام، فقد كتب يقول: «إن فكرة الأمّة كما جاء بها الإسلام هي الفكرة
البديعة التي لم يسبق إليها، و لم تزل إلى هذا الزمن ينبوعاً لكل فيض من فيوض
الايمان يدفع المسلمين إلى الوحدة في أمّة واحدة تختفي فيها حواجز الأجناس و
اللغات و عصبيات النسب و السلالة، و قد تفرّد الإسلام بخلق هذه الوحدة بين
أتباعه، فاشتملت أمّته على أقوام من العرب و الفرس و الهنود و الصينيين و المغول
و البربر و السود و البيض على تباعد الأفكار و تفاوت المصالح، و لم يخرج من
حظيرة هذه الأمّة أحد ليشق عليها و يقطع الصلة بينه و بينها، بل كان المنشقّون
عنهايعتقدون أنّهم أقرب ممّن يخالفونهم إلى تعزيز وحدتها و لمّ شملها و
نفي‏الغرباء عنها».

ثم يلاحظ: «إن فكرة الأمّة هي التي جعلت أناساً من الفرس يؤمنون بأنّهم أحق
من بني أمية بنصرة الخلافة الإسلامية على قواعد المساواة بين جميع المسلمين، و
إن فكرة الأمّة هي التي حدّدت للبلاد الإسلامية في كل عصر قبلة تعوذ بها و تهتدي
بهداها، و هي التي بثّت في صدور المسلمين أنّهم أمّة واحدة أيّام الغزوات
الأجنبية...و سرّ هذه القوّة في العقيدة الإسلامية أنّها منحت الفرد مقياساً للحياة أرفع
و أسلم من مقياس العصبية و المنعة و هو مقياس الضمير المستقل عن أصحاب
السيادة، و أنّها مع هذا الاستقلال الفردي لم تترك الجماعة بغير جهة تتّجه إليها،
فأبدعت فكرة الأمّة و حرّرت هذه الفكرة من ربقة العصبية و حدّدت الوراثة


|89|

فأصبح معنى الأمّة قابلاً للتطوّر مع الأحداث و الظروف».[1]

تعداد نمایش : 7264 <<بازگشت
 

 فهرست مجلات فصلنامه حکومت اسلامی بصورت فایلهای PDF

 

 

 فهرست کتاب ها 

 

 

درس خارج
«فقه نظام سیاسی اسلام»
استاد: حضرت آیت‌الله محسن اراكی دام‌عزه

         کلیه حقوق برای مرکز تحقیقات علمی دبیرخانه خبرگان مجلس محفوظ است.

صفحه اصلی|اخبار|راهنمای تنظیم و ارسال مقالات|کتاب ها|فصلنامه|درباره ما