صفحه اصلی|اخبار|درس خارج فقه نظام سیاسی اسلام|تماس با ما
منو اصلی
اوقات شرعی
ورود
نام کاربری :   
کلمه عبور :   
عضویت
دار الإسلام و دارالكفر
دار الإسلام و دارالكفر تاریخ ثبت : 1390/12/03
طبقه بندي : الدولة الاسلامية دولة عالمية ,
عنوان : دار الإسلام و دارالكفر
آدرس فایل PDF : <#f:86/>
مولف : <#f:89/>
نوبت چاپ : <#f:90/>
متن :

|89|

دار الإسلام و دارالكفر




دار الإسلام و دارالكفر

تتحدّد علاقة الإنسان بالأرض - التي عنونت حديثاً بعنوان الوطنية - تبعاً لنظرته
الكونية. فالإنسان الذي لا يعتقد بإله خالق له و للكون و الأرض، أو يعتقد بإله
خالق لكنّه يجمّده في المسألة الكونية و يجعله بمعزل عن المسألة الاجتماعية على
غرار (قالت اليهود يدالله مغلولة)
[2] و ما يذهب إليه العلمانيون حديثاً؛ مثل هذا
الإنسان ينظر للأرض نظرة المالك لملكه فينسبها لنفسه و يتصرّف في علاقاته مع
الآخرين على هذا الأساس، لأنّه لا يرى في الأرض كائناً أعلى و لا أفضل منه
فيها. و من هنا نجد فرعون ينسب الأرض له و لقومه و كذلك ملأه و سحرته، قال
تعالى على لسان فرعون: (قال: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) [3].

و خاطب فرعون ملأه قائلاً: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) [4].

و تحدّث السحرة فيما بينهم قائلين: (إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من
أرضكم بسحرهما و يَذْهبا بطريقتكم المثلى)
[5].

فالأرض لهم و ليس لموسى أي حق فيها. و إذا كان له من حق فهو فرد كباقي
أفراد الشعب و عليه أن يسلّم للإرادة الوطنية العامة و لا يفرض رأيه عليها. و لم
يكن موسى(ع) بدعاً من الأنبياء، فقد عانى كلّ الرسل و الأنبياء من هذه القضية،
قال تعالى: (و قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودن في


(1). ما يقال عن الإسلام، ص‏147 - 148، نقلاً عن كتاب «الإسلام و الجماعة المتّحدة» تأليف مونتجمري وات.

(2). المائدة: 64.

(3). طه: 57.

(4). الشعراء: 35.

(5). طه: 63.


|90|

ملتنا...) [1].

فإن الإرادة الوطنية العامة هي العليا و هي فوق كلّ شي‏ء فمن لم يشأ الإذعان
لها فعليه الخروج من الحدود الإقليمية للوطن.

و هكذا، فعندما يعزل المجتمع و الأرض عن المسألة الإلهية و الإيمانية تصبح
الوطنية هي العنوان الطبيعي و الوحيد لعلاقة الإنسان بالأرض. و كلّما ترسّخ هذا
العنوان و تأكّد بدت العناوين الأخرى في نظر الإنسان أكثر غرابة و بعداً. و هل
هناك في ذهن فرعون استغراب أكبر من استغرابه من ثورة يقوم بها موسى(ع)
الاسرائيلي - الغريب قومياً عن مصر - ضد الحكم الفرعوني؟

و من هنا يمكننا القول: أن الوطنية كشعور و كممارسة و كفكرة أوّلية ليست
شيئاً جديداً أوجدته النهضة الأوروبية الحديثة، بل هي ظاهرة قديمة قدم الإنسان. و
الشي‏ء الجديد الذي أنتجته النهضة الأوروبية الحديثة. هو تحويل هذا الشعور و هذه
الفكرة الأولية إلى نظرية و مجموعة قوانين دولية. و هذا يعني أنها ليست أمراً يلازم
الحضارة و التقدّم كما يُدعى. بل إن انتسابها إلى عالم الغريزة - و ذلك طبقاً
لمؤشرات عديدة - يمنع من جعلها أساساً صالحاً لإدارة الحياة الدولية التي لابدّ من
إدارتها على أساس مثل و قيم مطلقة، و هي ما لا تكون إلّا قيماً فكرية روحية.

لذا فإن الإصرار على اتخاذ الوطنية أساساً في الحياة الدولية الحديثة ما هو إلّا
مؤشر على عدم تقدّمية الحضارة الحديثة.

بينما يجد الإنسان المعتقد بإله خالق مدبِّر للكون و المجتمع أن علاقته بالأرض
لا يمكن أن تكون علاقة تملّك. و كيف يكون مالكاً متصرّفاً فيها و لها خالق قد
خلقها و أوجدها و لا زال يتصرّف فيها تكوينياً و تشريعياً؟

و إذا ما نظرنا في القرآن الكريم نجده يتحدّث عن علاقة الأرض بالله سبحانه و
تعالى من جهات أربع:


(1). إبراهيم: 13.


|91|

1. خلق الله الأرض، قال تعالى: (و هو الذي خلق السماوات و
الأرض‏بالحق)
[1].

2. مالكيته لها، قال تعالى: (و لله ملك السماوات الأرض و ما بينهما...) [2].

3. تصرّفه التكويني المستمرّ فيها. فهو الذي ينقص الأرض من أطرافها، قال
تعالى: (أفلا يرون أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)
[3].

و هو الذي يحييها بعد موتها، قال تعالى: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها
الماء اهتزت و ربت...)
[4]

وهو الذي يأمرها بمعاقبة الكفّار فتطيعه، قال تعالى: (فخسفنا به و
بداره‏الأرض)
[5]

و هو الذي سيجعلها في صورة جديدة، قال تعالى: (يوم تبدل الأرض
غيرالأرض)
[6]

4. تصرّفه التشريعي فيها. فإذا كان الله هو خالقها و مالكها و المتصرّف التكويني
فيها إلى يوم القيامة فمن الطبيعي أن لا يكون متصرّف تشريعي فيها غيره، و من حقّه
أن يأمر بعدم الفساد فيها، قال تعالى: (كلوا و اشربوا من رزق الله و لا تعثوا في
الأرض مفسدين)
[7] و يمنع التجبّر فيها، بل و يتدخّل و يمنع المقدّمات المؤدية إلى
ذلك، قال تعالى: (لو بسط الله الرزق لعبادة لبغوا في الأرض) [8].

ثم يحكم على المفسدين في الأرض بأن يقتلوا، قال تعالى: (إنّما جزاء الذين


(1). الأنعام: 73.

(2). المائدة: 17.

(3). الأنبياء: 44.

(4). الحج: 5.

(5). القصص: 81.

(6). ) ابراهيم: 48.

(7). البقرة: 60.

(8). الشورى: 27.


|92|

يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا...) [1].

و يأمر عباده بالهجرة من أرض إلى أخرى، قال تعالى: (... ألم تكن أرض الله
واسعة فتهاجروا فيها)
[2]. و في ذلك سلب لما يدّعيه الإنسان من حق له في الأرض.
و لذا يذكر الله سبحانه و تعالى الانسان بأن الأرض له سبحانه، قال تعالى: (يا
عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإيّاي فاعبدون)
[3]. و قد سخرها للمؤمنين به
(و من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة) [4]. بل انّه سبحانه
ينتزعها ممن يدعي ملكيته لها و يجعلها بيد هؤلاء المؤمنين، قال تعالى: (و أورثكم
أرضهم و ديارهم و أموالهم)
[5].

فاليهود يدّعون أن خيبر أرضهم و القرآن يؤكّد أنّ اللّه قد أعطى هذه الأرض
للمسلمين. فالسكنى في الأرض لا تولّد حقّاً للساكنين فيها مهما امتد زمن السكنى
ذلك (ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده)
[6]. (و لقد كتبنا في الزبور من بعد
الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون)
[7]. (و قال الذين كفروا لرسلهم
لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربّهم لنهلكنّ الظالمين. و
لنسكننكم الأرض من بعدهم)
[8].

و في ضوء هذه العلاقة التي تشدّ الأرض بخالقها تتحدّد طبيعة العلاقة بين
الإنسان و الأرض، و هي لا يمكن إلّا أن تكون علاقة استخلاف.

قال تعالى: (و اذ قال ربّك للملائكة: إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا: أتجعل


(1). المائدة: 33.

(2). النساء: 97.

(3). العنكبوت: 56.

(4). النساء: 100.

(5). الأحزاب: 27.

(6). الأعراف: 128.

(7). الأنبياء: 105.

(8). إبراهيم: 13 - 14.


|93|

فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك...) [1].

و الفرق بين التملّك و الاستخلاف فرق أخلاقي لصالح الإنسان، لأنّ التملّك
علاقة ثنائية بين الأرض و الإنسان، و الإنسان من شأنه - الضعف أمام الأرض
بشكل يؤدّي إلى أن تفرض الأرض قيمها المادية عليه. قال تعالى: (و اتل عليهم
نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. و لو شئنا
لرفعناه بها و لكنه أخلد إلى الأرض و اتبع هواه)
[2]. (ما لكم إذا قيل لكم انفروا في
سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)
[3]

فتأتي علاقة الاستخلاف الثلاثية «الله، الإنسان، الأرض» لتعالج هذه المشكلة
حيث يصبح الإنسان في ضوء هذه العلاقة خليفة يستمدّ من القدرة المطلقة
للمستخلف ما يمكِّنه من السيطرة على جذبة الأرض و إغراءاتها.

و بعبارة أخرى إن علاقة التملّك ظاهرها ملكية الإنسان للأرض لكن حقيقتها
ملكية الأرض للإنسان، فتأتي علاقة الاستخلاف لتنقذ الإنسان من عبودية الأرض
و تجعله المتصرّف فيها.

إذن الأرض لله سبحانه و تعالى، و الإنسان خليفته فيها. و هي من حيث الأصل
إقليم واحدة لدولة واحدة. و قد مرّ سابقاً أن السيادة الشرعية على هذا الإقليم هي
لأتباع الدين الحق، و قد استخلف الله سبحانه هؤلاء الأتباع نبوّة بعد أخرى حتى و
صل الأمر إلى النبوّة الخاتمة فأسند إلى المسلمين وظيفة الشهادة على الناس و
السيادة على الأقليم الأرضي الواحد.

هذا في الأصل التشريعي و لكن حيث أن الواقع الموضوعي غير متطابق مع هذا
الأصل، لذا فقد انقسمت الأرض بين المسلمين و غيرهم قسمين؛ فسمّيت أرض


(1). البقرة: 30.

(2). الأعراف: 175 - 176.

(3). التوبة:38.


|94|

المسلمين بدار الإسلام و أرض غيرهم بدار الكفر أو دار الحرب أو دار الشرك،
بانتظار مجي‏ء اليوم الموعود الذي سيزول فيه هذا الانقسام و تتحقّق السيادة
الإسلامية على كل الأرض. فكما استلم الخليفة الأرض من خالقها إقليماً واحداً
يسوده التوحيد وحده، كذلك عليه أن يرجعها إلى المستخلف على الحالة التي
استلمها منه، و ليرث الله الأرض و من عليها.

غير أن انقسام الأرض إلى دارين لا يعني أن الشريعة الإسلامية تصبح إقليمية؛
ذلك أن مفهوم العالمية ليس مفهوماً جغرافياً يقاس بأمتار الأرض، بل مفهوماً
أخلاقياً آيديولوجياً يقاس بالقيم الشمولية التي ينطلق منها. فما دام الإسلام يطبّق
المساواة و لا يتّخذ من الألوان و الأوطان مقياساً له فهو شرعة عالمية حتى لو لم
يطبق الاعّلى المدينة المنوّرة، و ما دام النظام الدولي العالمي يتخذ من الاوطان و
القوميات مقياساً له فهو شرعة غير عالمية و إن طبّق على العالم أجمع، خلافاً لما
اعتقده المفكِّر الإسلامي عبدالقادر عودة من أن الشريعة عالمية في أصلها النظري و
إقليمية في واقعها العملي نتيجة لانقسام الأرض إلى دارين.[1]

و إذا ما جمعنا النتائج المستفادة أخيراً مع النتائج التي توصلنا لها سابقاً أمكننا
إقرار النقاط التالية:

1. أن الأصل في الأرض كونها إقليماً واحداً تسوده راية واحدة هي راية
التوحيد و أن المسلم يتحرّك في الأرض كما تتحرّك السمكة في البحر.

2. أن وجود الرايات الأخرى كحقيقة واقعة يفرض انقسام الأرض بين التوحيد
و خصومه بين دار الإسلام و دارالكفر.

3. و تبعاً للأصل أيضاً فإن العلاقة بين الدارين هي من حيث الأصل علاقة
حرب، و أن الحرب لا تنتهي إلّا بفرض السيادة الإسلامية على دار الكفر، فيعطي
أهل الكتاب الجزية و يتلفّظ المشركون بالشهادتين. و في حالة العجز تلجأ دار


(1). التشريع الجنائي في الإسلام/ ص‏440.


|95|

الإسلام إلى عقد الهدنة مع دار الكفر.

و هذا يعني أن العلاقة بين الدارين لا يمكن أن تكون طبيعية وودية. فإمّا الحرب
و إمّا الهدنة، و ليس المسلم مأذوناً بالإقرار للكافر بالسيادة على الأرض التي هو
فيها، فإن السيادة شي‏ء من جنس العزّة، و لا تكون العزّة إلّا لله و لرسوله و
للمؤمنين. و هذه النتيجة التي توصلنا إليها من خلال بحث مفاهيمي توحيدي قرآني
متسلسل قد أطبق عليها جمهور الفقهاء السنة و الشيعة قديماً و حديثاً من خلال
بحوث سجالية مطوّلة في الكتاب و السنّة.[1]

لكن الفترة الأخيرة شهدت ظهور محاولة من فقيه سنّي و أخرى من فقيه إمامي
لاثبات أن الأصل في العلاقة بين الدارين هي السلم، و أن الحرب استثناء كما هو
الأمر المقرّر في القوانين الدولية السائدة. و سنعالج هذه المحاولة في بحث الجهاد،
و الشي‏ء الذي يهمّنا من هذه المحاولة الآن هو أن الدكتور وهبة الزحيلي و هو
صاحب المحاولة الأولى أيّد رأيه بكون الأصل في العلاقة بين الدارين هو السلم،
بأن تقسيم الدنيا إلى دارين أمر «مبني على أساس الواقع لا على أساس الشرع و
من محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري...فهو نقسيم طاري‏ء بسبب قيام
حالة الحرب أو الحرب نفسها فهو ينتهي بانتهاء الأسباب التي دعت إليه».[2]

و يقول أيضاً: «إن استنباط تقسيم الدنيا إلى دارين من الدعوة إلى الهجرة غير
سليم، لأن ذلك قد نسخ بفتح مكة و قول النبي(ص): لا هجرة بعد الفتح،[3] و يؤيّد

رأيه باعتبار الإمام الشافعي للدنيا في الأصل أنّها أرض واحدة، و أن التقسيم
الثنائي أمر طارى‏ء و هذا يعني أن الأصل هو السلم.»[4]


(1). جواهر الكلام / ج‏21 ص 21 ص‏46 - 49. انظر كذلك: كتاب الجهاد من موسوعة الينابيع الفقهية، جمع و
إعداد علي أصغر مرواريد.

(2). آثار الحرب في الفقه الإسلامي / ص‏195.

(3). المصدر نفسه / 171.

(4). المصدر نفسه / 132.


|96|

و لكنّنا و جدنا فيما مرّ من البحث أن انقسام الأرض إلى دارين أمر حتمي،
فمادام الاسلام كلمة الله، و غيره كلمة الكفر و إن كلمة الله يجب أن تكون هي
العليا و كلمة الكفر يجب أن تكون السفلى، فلا مفرّ من انقسام الأرض بين الكلمتين
إلى دارين و لا مفرّ من أن تكون دار الإسلام هي العليا و دارالكفر هي السفلى، فإن
كان هذا الانقسام من صنيع الفقهاء فعلاً فهو أمر حتمي ليس بوسع فقيه الخروج
عليه. على أن الأمر ليس من صنيع الفقهاء، فقد ورد مصطلح دارالحرب و مصطلح
دارالإسلام في نصوص النبي(ص) و أئمّة أهل البيت(ع) المروية بطرق الإمامية
مرّات عديدة.

ففي وسائل الشيعة للحر العاملي تكرّر مصطلح دارالحرب في ست روايات، و
تكرّر مصطلح دار الإسلام في أربع عشرة رواية. و مصطلح دار الحرب بالذات ورد
في رواية معتبرة عن الإمام الصادق(ع) يروي فيها الإمام عن النبي(ع) أنّه قال: «ألا
أني بري‏ء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار الحرب».
[1]

و في رواية معتبرة أخرى عن الامام الكاظم(ع) في مسألة حول الجواري و
الغلمان أجاب فيها الامام بجواب تضمّن استخدام المصطلحين معاً[2]، كما أن الشيخ
الزحيلي نفسه أورد نصّاً من رسالة لخالد بن الوليد يستخدم فيها مصطلحي دار
الهجرة و دار الاسلام حيث كتب: أن فقراء أهل الذّمة «..إن خرجوا إلى‏ غير دار
الهجرة و دار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم».
[3]

و هذا يعني أن الأرض مقسّمة إلى دارين دار للإسلام و أخرى لغيره. و ان هذا
الانقسام كان موجوداً على لسان الصحابة قبل ان يأني عصر الفقه الفقهاء.

و يرد على قول الشيخ الزحيلي «إن استنباط تقسيم الدنيا إلى دارين من الدعوة


(1). وسائل الشيعة / ج‏15 / باب 36 / ص‏101.

(2). المصدر نفسه / ج‏15 / ص‏131.

(3). آثار الحرب في الفقه الاسلامي / ص‏170


|97|

إلى الهجرة غير سليم، لأنّ ذلك قد نسخ بفتح مكة و قول النبي(ص): لا هجرة
بعدالفتح»
عدّة ردود، اهمها:

1. أن انقسام الأرض إلى دارين ليس مستفاداً من الهجرة و إنّما من حق الإسلام
في السيادة على الأرض من ناحية مبدئية و امتناع الكفّار عن الإقرار بهذه السيادة
من ناحية عملية.

2. إن الهجرة تشريع دائم ما دام الكفر باقياً، قال الشيخ صاحب الجواهر: «لا
أجد فيه خلافاً بيننابل ظاهر المسالك انحصار المخالف في بعض العامة... و النبوي:
لا هجرة بعد الفتح مع عدم ثبوته من طرقنا معارض بالآخر: لا تنقطع الهجرة حتى
تنقطع التوبة و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.»[1]

و الشيخ الزحيلي نفسه لم يثبت على القول بانقطاع الهجرة حيث رأى بعد ذلك
أنّها تشريع دائم لا مجال للخروج عن أحكامه.[2]

إن الهجرة معلم ثابت من معالم عالمية النظرية السياسية في الإسلام، و هو
يكشف عن مفهوم حيوي متحرّك عن الأرض و الإنسان فما دامت الأرض لله، و
الإنسان خليفة الله، فمن الطبيعي أن يتحرّك الخليفة فيما استخلف فيه، وأن يكون له
الحق في الحركة على كلّ نقطة من نقاط الأرض، فالأرض للمؤمن كالبحر للسمكة.

و لأهمية الهجرة في النظرية السياسية الإسلامية اتخذها المفكِّر الإسلامي أبو
الأعلى المودودي أساساً ثانياً للمواطنة في الإسلام استناداً إلى قوله تعالى: (إن
الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله و الذين آووا و
نصروا أولئك بعضهم أولياء بعض و الذين آمنوا و لم يهاجروا ما لكم من ولايتهم
من شي‏ء حتى يهاجروا)
[3]، حيث استفاد من الآية أن أساس المواطنة الذي تترتّب


(1). جواهر الكلام/ ج‏21/ ص 36.

(2). آثار الحرب في الفقه الاسلامي / ص‏746.

(3). الأنفال: 72.


|98|

عليه الحقوق هو الإيمان و سكنى دار الاسلام او الانتقال اليها بالهجرة[1]، و علّق
الباحث السيّد صدر الدين القبانجي على ذلك بأن الآية: «لم تتحدّث عن قانون عام
لنستفيد منها شرطاً عامّاً و دائمياً في المواطنة، و إنّما تحدّثت الآية الكريمة عن
قضية خاصّة أوجب الله تعالى فيها الهجرة على المؤمنين...إلّا أن القرآن الكريم هنا
لم يسجِّل قانوناً مطرداً و إنّما قانوناً في حالة خاصّة...فلا أحد يستطيع أن يقول
اليوم مثلاً: إن على كل المسلمين في العالم الهجرة إلى دار الإسلام و اتخاذها وطناً
لهم، ثم إن الآية دعت إلى قطع كل الروابط مع غير المهاجرين فهل يمكن القول
اليوم بأن من لم يهاجر الى دارالاسلام تنقطع معه كل الروابط حتى الود و الولاء»[2].

و يرى السيد القبانجي طاعة الإمام أساساً ثانياً للمواطنة، و أن المسلم الساكن
داخل إقليم الدولة يلزم بطاعة الإمام، فإن أخلّ بذلك فقد صفة المواطنة. و يستشهد
لذلك بقول الإمام علي (ع) للخوارج: «كونوا حيث شئتم و بيننا و بينكم أن لا
تسكبوا دماً حراماً و لا تقطعوا سبيلاً و لا تظلموا أحداً، فإن فعلتم نبذت
إليكم‏الحرب».

كما يرى أنّ المسلم خارج إقليم الدولة الإسلامية يصبح مواطناً إذا منحته الدولة
صفة المواطنة. و يستشهد لذلك بقصّة أبي جندل الذي قدم المدينة بعد صلح
الحديبية فردّه الرسول إلى مكّة التزاماً ببنود الصلح حيث قال له الرسول(ع): «يا أبا
جندل اصبر و احتسب، فإن الله جاعل لك و لمن معك مخرجاً و فرجاً، إنّا عقدنا
بيننا و بين القوم صلحاً و إنّا لا نغدر بهم»
[3].

و لكنّنا لا نجد لهذا التصوّر ما يؤيّده، فإنّ سيرة الامام علي(ع) مليئة بشواهد
حفظ الحقوق للمسلمين المخالفين له، و النصّ المذكور هو أحد هذه الشواهد، فهو


(1). نظرية الاسلام و هديه/ ص‏301.

(2). المذهب السياسي في الاسلام/ ص‏130.

(3). سيرة المصطفى/ص‏539.


|99|

يؤكّد أن حقوق الخوارج تبقى محفوظة حتى مع مخالفتهم للإمام، و أن الإمام لا
يقاتلهم بسبب مخالفتهم له، بل بسبب رفع راية الحرب ضد الدولة، فإذا
رفعوهاقاتلتهم.

و هذا لا يعني أن طاعة الإمام غير واجبة، بل يعني أن الدولة لا تعاقب على عدم
طاعة الإمام، و إنّما تعاقب من يريد أن يقوّض أصل وجود الدولة أو يخلّ بأمنها،
فعدم الطاعة وحده لا يخلّ بحقوق المواطنة حتى يتحوّل إلى تخريب أو محاولة
لهدم الدولة. فالأولى تحوير التصوّر المذكور من اشتراط طاعة الإمام في المواطنة
إلى اشتراط الاعتقاد بالدولة الإسلامية و عدم الإخلال بها.

كما أن الاستشهاد بقصّة أبي جندل على أن مسلمي ما وراء إقليم الدولة يحملون
صفة المواطنة إذا منحتهم الدولة ذلك غير تام أيضاً؛ لأنّ هذه القصة تدلّ على أن
الأصل في المسألة هو استحقاق أبي جندل للمواطنة، و أن صلح الحديبية أوجد
حالة طارئة هي تجميد هذا الاستحقاق. و على أساس هذه القصّة يصبح من حق
كلّ مسلم أن يحمل جنسية الدولة الإسلامية، و أن من واجب الدولة الإسلامية أن
تمنح ذلك للمسلمين الساكنين خارج إقليمها و لا تُعذر إلّا في ظروف قاهرة طارئة،
و حينئذٍ نتساءل: من أين استمد أبو جندل الحق في حمل جنسية الدولة النبوية
بحيث لم يكن بوسع النبي ردّه إلّا برفق و اعتذار بأمر قاهر؟

الحق أن سلوك أبي جندل و اعتذار النبي عن طلبه بصلح الحديبية ينسجمان مع
استدلال أبي الأعلى المودودي انسجاماً تامّاً. فأبو جندل كان مؤمناً و قد هاجر
متصوّراً أنّه سيستحق ولاية النبي له انطلاقاً من الآية: (و الذين آمنوا و لم يهاجروا
ما لكم من ولايتهم من شي‏ء حتى يهاجروا)
، كما أن اعتذار النبي(ص) له يستبطن
الإقرار المبدئي أن له الحق في ذلك، سوى ان هذا الحق قد ارتفع لأجل ضرورة
طارئة اكبر منه. و لعلّ الأصح تحوير عنوان الهجرة إلى عنوان أعمّ كعنوان الاعتقاد
بدار الإسلام و التعهّد بصيانتها. فإن الهجرة بدأت كحكم تشريعي يراد به حماية


|100|

الدعوة من تحديات الأعداء و حماية المسلم الملتزم من ضغوط المناوئين، و انتهت
في صورة الموقف السياسي الذي يقاس به مستوى الولاء للدولة النبوية.

من هنا نجد الآيات القرآنية التي تناولت موضوع الهجرة على قسمين: قسم
أشار إلى أصل الحكم و مبرراته كقوله تعالى: (إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي
أنفسهم قالوا: فيم كنتم قالوا: كنّا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله
واسعة فتهاجروا فيها)
[1]. و قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة
فإيّاي فاعبدون)
[2] و قوله تعالى: (و من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض
مراغماً كثيراً وسعة)
[3].

و قسم آخر ربط بين الهجرة و الدولة كقوله تعالى: (و الذين آمنوا و لم يهاجروا
مالكم من ولايتهم من شي‏ء حتى يهاجروا)
[4]، (...فلا تتخذوا منهم أولياء حتى
يهاجروا في سبيل الله)
[5]، و الآية الاخيرة جعلت عدم الهجرة علامة من علامات
المنافقين حيث صرّحت: «فما لكم في المنافقين فئتين و الله أركسهم...تكفرون كما
كفروا فتكونون سواء، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله.».

و هذا يعني أن الهجرة التي تناولتها هذه الآيات و ان كانت في واقعها التاريخي
حادثة واحدة إلّا أننا يمكننا تعليلها بسببين مختلفين هما: 1 - عدم القدرة على
إظهار شعائر الإسلام.

2. تعزيز دار الإسلام و الاستجابة لنداء ولي الأمر فيها.

السبب الأوّل يوجب الهجرة إلى أي بلد تتوافر فيه الحرية للدين و الدعوة. و لا
يحدّدها بالهجرة إلى دار الإسلام، فقد لا تكون هناك دار للإسلام بعد، كما حدث في


(1). النساء: 97.

(2). العنكبوت: 56.

(3). النساء: 100.

(4). الأنفال: 72.

(5). النساء: 89.


|101|

الهجرة إلى الحبشة.

و السبب الثاني يحدّد الهجرة بكونها إلى دار الإسلام.

السبب الأوّل حكم ديني لا دخل لولي الأمر فيه، و السبب الثاني حكم ديني
مرتبط بقرار من ولي الأمر فهو الذي يقرّر الهجرة و يحدّد كيفيتها و على
المسلمين‏إطاعته.

في السبب الأوّل لا تترتّب إجراءات قانونية في حالة عدم الهجرة. بينما في
السبب الثاني هناك إجراءات قانونية تترتّب على عدم الهجرة، لأنّه سيعني عدم
الاعتقاد بدار الاسلام و عدم الاهتمام بصيانتها و حمايتها، و الاجراء القانوني هو
سقوط حق المسلم غير المهاجر في ان تتولاه الدولة الاسلامية كما قرأنا في الآيتين
السابقتين و كما نلمس من الحديث النبوي الصحيح: «إني بري‏ء من كل مسلم نزل
مع مشرك في دارالحرب». و قد ورد هذا الحديث بطرق اهل السنّة بنصّ آخر: «أنا
بري‏ء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين...»[1].

و يظهر جلياً من إسناد النبي(ص) الأمر إلى نفسه «إني بري‏ء. أنا بري‏ء» و لم
يقل «الله بري‏ء، أو الإسلام بري‏ء» أن الهجرة إلى المدينة كانت إمّا للسببين معاً أو
للسبب الثاني خاصّة، فإن إشارة النبي إلى نفسه في الحديث تعني أن الهجرة كانت
بحكم من الكتاب و قرار ولائي من ولي الأمر. و صح الحديث المروي عن
النبي(ص): «لا هجرة بعد الفتح» فيكون مؤيّداً لهذا التفصيل، لأنّه سيكون قراراً نبويّاً
بإيقاف الهجرة إلى مكّة خاصّة، لأنّها أصبحت جزءاً من دارالاسلام. و من الممكن
لأي ولي شرعي آخر إصدار قرار بالهجرة من مدينة أخرى عندما تتوافر الأسباب
الداعية إلى ذلك، و على هذه يكون للمواطنة في الإسلام أساسان:

1. الاعتقاد بالإسلام كدين و كمنهج في الحياة.


(1). ورد النص الأوّل في وسائل الشيعة، ج‏15، ص‏101، طبعة مؤسسة آل البيت. و ورد النص الثاني في سنن
الترمذي/ كتاب السير/ ح 1530 / بترقيم العالمية، و في سنن أبي داود/ كتاب الجهاد/ ح 2274 بترقيم العالمية.


|102|

2. الإيمان بالكيان السياسي الإسلامي و التعهّد بحماية دارالإسلام و توسيعها، و
ذلك استناداً إلى الآية ذاتها «إن الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم
في سبيل الله و الذين آووا و نصروا أولئك بعضهم أولياء بعض...»، فالإيمان هو
الأساس الأول فلا يدخل المشرك و لا الكتابي المعاند لدار الإسلام في جنسية هذه
الدار. و لا مانع من دخول أهل الذمّة لأنّهم آمنوا بسيادة الإسلام عليهم و تعهّدوا
بشرائط الذمّة. فالأساس إمّا الاعتقاد بالإسلام أو احترام سيادته، على أن لا تكون
جنسية المسلم و الذمّي واحدة، و لا بدّ من تفاوت بالدرجة لصالح المسلم، لأنّ
الدار داره و الدولة دولته و قد غذّاها بدمه و ماله، و لأنّ الإسلام يعلو و لا يعلى
عليه، و يفهم من علو الإسلام نفي مساواة الآخرين معه. خلافاً لما قاله الاستاذ
عبدالقادر عودة من أن جنسيتهما واحدة[1] و من الطبيعي أن يخرج المرتد من
الجنسية الإسلامية.

و الأساس الثاني هو الإيمان بالكيان السياسي الاسلامي و التعهّد بحماية دار
الإسلام و توسيعها. و لا يمكننا أن نتّخذ عنوان الهجرة بصورة مستقلّة، لأنّ سببي
الهجرة لا يوجدان في زمن ما أو مكان ما، و لأنّ الآية اشتملت على عناوين الجهاد
و النصرة و إيواء المهاجرين. فإذا اعتمدنا عنوان الهجرة فلابد أن نعتمد هذه العناوين
أيضاً. فلماذا اكتفى الاستاذ المودودي بالهجرة؟ و من المعلوم ان الانصار لم يهاجروا
فهل يجب ان لا نعدهم مواطنين؟

و من هنا نجد أن العناوين المذكورة في الآية لا بدّ من أخذها بنحو العنوان
المشير لاالعنوان المستقل. فالهجرة تشير إلى الاعتقاد بدار الإسلام و دولته، و
الجهاد يشير إلى التعهّد بتوسعة رقعة السيادة الإسلامية حتى تبلغ كل من يحيا على‏
وجه الأرض، و كذلك عناوين الايواء و النصرة.

و هذا ما ينسجم تماماً مع قصّة أبي جندل في صلح الحديبية. فإنّه كان مؤمناً


(1). التشريع الجنائي في الإسلام/ ص‏484.


|103|

متوفّراً على‏ الأساس الأول ثم هاجر متأخّراً استجابة لنداء دار الاسلام و اعتقاداً
بحقّانية هذه الدار، فامتلك الأساس الثاني فاستحق بذلك على‏ النبي (ص) امتلاك
الجنسية الإسلامية، فأجابه النبي(ص) بأن هذا الاستحقاق معترف به من قبل دار
الإسلام و دولته لكنّه قدتجمّد بسبب ظروف قاهرة خارجة عن إرادته. ولو كانت
هجرته قبل صلح الحديبية لما كان لولي الأمر عذر في ردّه.

فلكلّ مسلم معتقد بالإسلام و بداره و دولته و مستعدّ للجهاد من أجل توسيع
سيادته الحق في اكتساب الجنسية الإسلامية. و لايخرج من هذالأصل إلّا
الضرورات القاهرة التي يقدرها ولي الأمر، و يتساوي في هذا الأصل سكّان إقليم
الدولة مع غيرهم من المسلمين. فإذا وجد الملاك المذكور في مسلم، استحق
اكتساب الجنسية الإسلامية، و بفقده يفقد هذا الاستحقاق بلافرق بين مسلم و
مسلم، لأن الأرض ليست لها صفة حقوقية قانونية في الإسلام. و الآيديولوجية هي
الأساس و المنبع الوحيد للحقوق و القوانين و الواجبات.


الدولة الاسلامية واحدة ام متعددة؟

إن الدولة الإسلامية هي المظهر السياسي للتوحيد. أو هي التوحيد في الحقل
السياسي. و من الطبيعي أن تعكس خصائص التوحيد المعبَّر عنها في العقيدة
بالأسماء الحسنى‏، بوصفها يداللَّه في‏الأرض. و العالمية خصيصة من صميم التوحيد
بحيث لاعالمية حقيقية حتى‏ تستند إلى‏ المطلق.

و لانعني بالدولة العالمية تلك التي تستوعب الأرض بسلطانها. فالامبراطورية
البريطانية كانت لها السيادة على‏ ثلثي الأرض لكنها لايمكن أن تكون عالمية لأنّها
قائمة على‏ أساس سيادة الرجل الأبيض الإنجليزي على‏ من سواه. و الدولة النبويّة
لم‏تستوعب الجزيرة العربية لكنّها كانت دولة عالمية. فملاك العالمية هو المبادى‏ء و
القيم الإنسانية النبيلة التي هي بطبيعتها قيم مطلقة لاتعترف بحدود الزمان و المكان.


|104|

فالدولة التي تقوم بصدق على‏ المساواة و العدالة و الحق دولة عالمية، لأن هذه القيم
لا تفاوت بحسابها الأوطان و الأقوام، و الدولة التي تقوم على‏ تقديس قومية معيّنة
أو أرض معيّنة لايمكنها أن تكون عالمية مهما اتسع سلطانها.

إن قيم المساواة و الحق عالمية لأنّها من جنس الفضيلة النابعة من الروح و العقل
حيث القمّة و الشرف الإنساني. و قيم الأرض و القوم و العصبية قيم محلية لأنّها
من‏جنس الرذيلة النابعة من الغرائز غير المهذّبة التي تشدّ الإنسان ببيئته المحدودة
وتمنعه من التعالى‏ عليها. و لايمكن للدولة العالمية أن تتعدّد، و كيف يكون
المظهرالسياسي للتوحيد متعدداً؟ و هكذا يبدو تعدّد الدولة الإسلامية أمراً غريباً،
لكننا نلاحظ عدداً من المفكِّرين و الكتّاب الإسلاميين قد أيّدوا تعدّدها بشكل
صريح أوضمني.

فالعلّامة الطباطبائي رآى: أن الباحث لايستطيع أن يبتّ في مثل هذه المسألة إذ
ليس في الشريعة حكم ثابت لذلك، و إنّما تتبع مصلحة الوقت و نمط الحكومة الذي
يتحدّد في ضوء ثلاثة عوامل هي الوحدة الإسلامية، و المصلحة الإسلامية و
الحدود التى تفصل المجتمع الإسلامي عن المجتمعات غير الإسلامية.[1]

و اعتقد الاستاذ عبد القادر عودة أن الإسلام لايتنافى مع نظام كنظام
الجامعةالعربية و المهم أن تتحقّق الأهداف الإسلامية و أن يكون المسلمون يداً
واحدة على‏ غيرهم. و لايرى دليلاً على‏ ذلك أقوى‏ من: «أن النظريات الإسلامية
وضعت في عهد العباسيين بعد أن انقسمت الدولة الإسلامية الأولى‏ إلى‏ ثلاث دول،
دولة العباسيين في المشرق و دولة العلويين في المغرب و دولة الأمويين في
الأندلس، و قد ظلّت هذه النظريات تطبّق بعد أن أصبح في كل قطر إسلامي دولة
إسلامية».[2] و في تعليقه على‏ هذا الرأي اشترط المرحوم السيّد اسماعيل الصدر أن


(1). نظرية السياسة و الحكم في الإسلام / ص‏36.

(2). التشريع الجنائي في الاسلام / ص‏464.


|105|

تكون هذه الدول خاضعة لحكم المعصوم. و هذا الشرط مرتفع في‏ظرف الغيبة فأيّد
بذلك التعدّد[1].

و كتب إمام الحرمين الجويني (ت 478 ه): «إن عقد الإمامة لشخصين في صقع
واحد متضايق الخطط و المخالف غير جائز و قد حصل الاجماع عليه، و أمّا إذا بعد
المدى‏ و تخلّل بين الإمامين شسوع النوى‏ فللاحتمال في ذلك مجال و هو خارج
عن القواطع».[2]

و استدلّ ظافر القاسمي لصحّة تعدّد الإمامة بما رواه الطبري حول التراضي بين
الإمام علي(ع) و معاوية على‏ أن تكون الكوفة للإمام و الشام لمعاوية، فلو لم‏يكن
هذا التدبير جائزاً لما قام به إمام كعلي بن أبي طالب(ع)[3].

و رأى‏ الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن الاعتقاد بوحدة الامامة في عصر
المعصوم لايقتضي الاعتقاد بها في عصر الغيبة، فلابد من ملاحظة الأساس الشرعي
الذي تقوم عليه حكومة عصر الغيبة. و هنا لاحظ أن نظرية ولاية الفقيه لايمكن أن
تكون أساساً لدولة عالمية تشمل الأقاليم الإسلامية. إذ إن عمدة أدلّة هذه النظرية
مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق(ع) التي يقول فيها الإمام: «... ينظر ان الى‏
من كان منكم ممّن روى‏ حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا
فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً».

فالحاكم المجعول يكون - طبقاً لهذا النص - حكمه خاصاً بمن نظر و لايشمل
غير الناظر. مع الإصرار من الشيخ شمس الدين على‏ تفسير النظر بالاختيار و
الانتخاب ثم يختار نظرية ولاية الأمّة على‏ نفسها، و هي‏ تعني أن ينتخب كلّ شعب
مسلم حكومته في إطار وحدة الأمّة[4].


(1). المصدر السابق / ص‏463.

(2). الارشاد / ص‏358.

(3). نظام الحكم في الشريعة و التاريخ الإسلامي / ج‏1 / ص‏320.

(4). نظام الحكم و الادارة في الاسلام / ص‏135 / ص‏418 - 419.


|106|

و مال العلاّمة فضل اللَّه إلى‏ تعدّد الدولة الإسلامية، و أن وحدتها حالة خاصّة
بالدولة المعصومة، و استدل على‏ ذلك بمقبولة عمر بن حنظلة[1].

وأيّد الشيخ و هبة الزحيلي تعدّد الحكومات الإسلامية[2].

و إذا نظرنا إلى‏ رأي العلّامة الطباطبائي وجدنا أن العوامل الثلاثة التي تحدّد نمط
الحكومة عنده و هي المصلحة الإسلامية و الثغور الفاصلة بين المسلمين و غيرهم،
والوحدة الاسلامية، لايمكن أن تؤدّي إلّا إلى‏ دولة واحدة. فأي مصلحة و أي وحدة
تتحقّق مع تعدّد الإمامة؟ و أي ثغور تحمى حينئذ؟

صحيح إن حكماً تشريعياً ثابتاً بوحدة الإمامة في عصر الغيبة أمر غير موجود،
و لكن هناك جملة مؤشرات عقائدية و تشريعية تؤدي إلى‏ هذا الاتجاه، و هي كافية
للقول به.

و دليل الاستاذ عبد القادر عودة غريب جداً. فمتى‏ أصبحت سيرة الأمويين و
العباسيين دليلاً يعتمد عليه في الاجتهاد و الاستنباط؟ و إذا كانت نظريات الإمامة
في المذاهب الأربعة قد وضعت في ضوء تجارب الحكمين الأموي و العبّاسي فإن
هذا يكشف عن خلل عميق في هذه النظريات، و الأولى‏ حينئذٍ طرحها و استنباط
نظريات أصيلة في ضوء الكتاب و السنّة الصحيحة.

و في تعليقة المرحوم السيّد إسماعيل الصدر تفريق بين عصر الحضور
فلايجوزالتعدّد في الإمامة و عصر الغيبة فيجوز. فإذا كان عصر حضور
المعصوم‏لايحتمل تعدد الإمامة فكيف يحتمل عصر الغيبة ذلك؟ و لو كان التعدّد في
عصر الغيبة أمراً صحيحاً و ممكناً و لاتلزم منه مفسدة فلماذا لم‏يكن جائزاً في
عصر الحضور؟

و يرد على‏ رأي الجويني ما ورد على رأي الاستاذ عبدالقادر عودة، لأنّه من


(1). الحركة الإسلامية هموم و قضايا / ص‏301 - 303.

(2). آثار الحرب في‏الفقه الاسلامي / ص‏195.


|107|

تلك النظريات التي صيغت في ضوء سيرة الحكم العباسي، على‏ أن جواز التعدّد
عنده مقيّد ببعد المدى‏. و قد حلّت المواصلات الحديثة هذه المشكلة فيكون رأيه -
و هو المشهور في المذاهب الأربعة - دليلاً على‏ عدم صحّة التعدّد في العصر
الحاضر خلافاً لما قرّره الأستاذ عودة، كما أن بعد المدى‏ بين الاصقاع المتباعدة قد
يبرّر تعذّر النصرة بينها و تبقى الوحدة في ما عدا ذلك لازمة، فإنّ تعذّر النصرة
لايستلزم تعدّد الإمامة.

و استدلال ظافر القاسمي غريب أيضاً. فلو صحّت رواية الطبري و هي مرفوضة
من قبل مؤرّخي الشيعة فإنّها لاتدلّ على‏ جواز تعدّد الامامة، لأن الصلح المدعى‏
على‏ أن تكون الشام لمعاوية و الكوفة للإمام علي لايثبت مشروعية دولة معاوية.
فالدولة الثانية ستكون أمراً واقعاً من الناحية التاريخية لكنّه غير مشروع، شأنه في
ذلك شأن‏دار الكفر التي هي أمر واقع و معترف به، لكن ذلك لايدلّ على‏ كونه
مشروعاً. و هل يكون الكفر و البغي مشروعين من وجهة نظر الإسلام؟

و ما يراه الشيخ شمس الدين من عدم استلزام وحدة الإمامة في عصر
المعصوم‏لأن تكون كذلك إمامة موحّدة في عصر الغيبة فيه مجال للنظر؛ لأنّ
حيثيةالإمامة بما هي رئاسة في الدين و الدنيا حيثية واحدة. والفرق بين عصر
المعصوم و عصر الغيبة هو فرق في الدرجة و شدّة التركيز، فقيادة المعصوم أعلى‏
شأناً و أشدّ تركيزاً من قيادة غيره. و إذا كانتا مختلفتين في النوع لا الدرجة فإن
تعدّد الإمامة إذا لم يكن جائزاً في القيادة الأعلى‏ نوعاً فكيف يصحّ في القيادة ذات
النوع الأدنى‏؟

و ما اعتقده من أن المدرك الفقهي لولاية الفقيه لايساعد على‏ ظهور دولة عالمية
موحدة و أيّده في ذلك السيّد فضل اللَّه يمكننا التأمّل فيه من جهة التفسير الذي
اختاره لكلمة «ينظران إلى‏ من كان منكم» حيث فسّر النظر بالاختيار و الانتخاب و
أن مفاده مفاد العلّة لقوله «... فإنّي جعلته حاكماً» و هو تفسير لا شاهد عليه. فإن


|108|

النظر هنا ليس بمعنى‏ الانتخاب الاختيار و إنّما بمعنى‏ البحث عن الفقيه المعيّن
حاكماً من قبل الإمام في مرحلة سابقة. فإن الإمام في هذا النص عيّن على‏ نحو
القضية الحقيقية الفقيه الجامع للشرائط حاكماً على‏ الناس، أو قل إن التعيين جرى‏
على‏ النوع و الخط. و عند تعدّد أفراد هذا النوع يمكن أن يكون للانتخاب دور في
تشخيص الفرد المطلوب كولي فقيه. و لكن الانتخاب مفهوم عام لايختص بعملية
إدلاء الأصوات في صناديق الاقتراع فإذا تطابقت آراء أكثرية الأمّة من بلدان شتى‏
على‏ فقيه معيّن بطريقة ما ولو عبر المسيرات الشعبية و التظاهرات و الاحتفالات
الجماهيرية، فإنّه يكون الفقيه المنتخب من قبل الأمّة. فحتى‏ لو فسّرنا النظر
بالانتخاب فان بإمكان أهالي البلدان المتعدّدة أن يشاركوا بطريقة ما في عملية
انتخاب ولي فقيه واحد لهم. و لو كانت حكومة الفقيه خاصة بمن نظر إليه و انتخبه
بنحو يتيح شرعية حكومات فقهاء متعدّدين في آن واحد، فإن هذا المعنى‏ صالح
للإنطباق و التحقّق في بلد واحد فتكون لكل مدينة من مدنه حكومة يرأسها فقيه
معيّن. فإذا جاز لأهالي البلدان المتعدّدة ان ينظر كل منهم إلى‏ فقيه المحلي و ينتخبوه
دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار وحدة البلد و كيانه السياسي. فحينئذ تكون ولاية
الفقيه أساساً غير صالح لإقامة دولة واحدة حتى‏ في داخل بلد واحد. و تسليم
الشيخ شمس‏الدين بصلاحية ولاية الفقيه لأن تكون أساساً لدولة واحدة تشمل
بلدان متعدّدة. لأنّ تعدّد البلدان يقوم مقام تعدّد المدن داخل البلد الواحد. فإذا كان
تعدّد المدن لايضرّ بإنشاء دولة واحدة فإن تعدّد البلدان لايضرّ كذلك بإنشاء دولة
واحدة. و الفرق بين البلد و المدينة فرق جغرافي وإداري نشأ حديثاً و لم يكن له
وجود في العصور الإسلامية.

و بإمكاننا أيضاً الاستعانة بعنوان نيابة الفقيه عن الإمام لإثبات ذلك أيضاً، فكما
أن دولة الامام عالمية واحدة لاتعدّد فيها فكذلك دولة الفقيه النائب عنه يجب أن
تكون واحدة لا تعدّد فيها، و فرق العصمة بين الإمام و الفقيه من شأنه أن يؤكّد ذلك


|109|

فإذا لم‏يصحّ التعدّد في دولة المعصوم فكيف يصحّ في دولة الفقيه؟ و إذا وجب
الاتحاد في الأولى‏ كان في الثانية أولى‏ و آكد. و هذا ما اختاره الشيخ حسين علي
المنتظري مؤيّداً رأيه بما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي(ص): «إذا بويع
لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». و إن تعدّد الآلهة إذا كان يفسد الكون فإنّ تعدّد الولاة
يفسد المجتمع. و إن تعدّد الإمامة في عصر الحضور إذا لم‏يكن صحيحاً فكيف
يكون في عصر الغيبة جائزاً؟ و لايقبل بتعدد الامامة إلّا في صورة تعذّر الوحدة لأنّ
إقامة دويلات إسلامية أفضل من إهمال أمر الأُئمّة رأساً[1].

و في تعليقه على‏ رأي العلّامة الطباطبائي المذكور آنفاً يؤيّد الشيخ محمد
مهدي‏الآصفي القول بلزوم وحدة الدولة الاسلامية و عدم صحّة تعدّدها، و يعدّ
ذلك‏من ثوابت النظام الإسلامي. و ذلك في‏هامش كرّاس «نظرية السياسة و الحكم
في الإسلام».

إن الحياة الدولية المعاصرة تشهد لصحّة و إمكانية الدولة الواحدة و ترفض
تعدّدها، فلو اجتمع المسلمون في نطاق دولة واحدة فإن هذه الدولة ستكون من
حيث السكّان مشابهة للصين و من حيث المساحة مشابهة للاتحاد السوفياتي. ألا
يحق للمسلمين الحلم بواقع دولي كهذا؟ و لماذا يعدّ هذا الحلم واقعياً للبوذيين و
خيالياً للمسلمين؟

إن تعدد الإمامة يهدد وحدة الأمة و وحدة السيادة الإسلامية و وحدةدار الإسلام
و تحوّلها إلى خيالات و أحلام. و قد أثبتت التجارب السياسية فشل صيغة الهيئات
و التكتلات في تحقيق الوحدة. فما الذي حققته منظمة المؤتمر الإسلامي للمسلمين
على‏ صعيد الوحدة الإسلامية؟

إن الإسلام دين يدعو إلى‏ رب واحد و له دولة واحدة تتطابق جغرافياً مع دار
واحدة هي‏دار الإسلام و تساوي بشرياً أمة واحدة هي أمة الإسلام.


(1). دراسات في ولاية الفقيه / ج‏1 / ص 410 - 420.


|110|

فريضة الجهاد و الدعوة

الإسلام دين يتّسم بالحيوية و مصارعة الجمود و له مجتمع يتميّز بالنمو، ذلك ان
المجتمع القائم على‏ محور عقائدي يكون مجتمعاًنامياً في الكم و الكيف، بينما
يتّسم المجتمع القائم على أساس خصائصه البيئية بالجمود الكمي، لأن الرابطة
الوطنية و القومية غير قابلة للاتساع، قال تعالى‏:

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى‏ و دين الحق ليظهره على‏ الدين كلّه و كفى‏ باللَّه
شهيداً. محمّد رسول اللَّه و الذين معه أشدّاء على‏ الكفّار رحماء بينهم تراهم ركعاً
سجداً يبتغون فضلاًمن اللَّه و رضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك
مثلهم في التوراة و مثلهم في‏الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فاستوى‏
على‏ سوقه يعجب الزراع ليغظ بهم‏الكفّار...)
[1].

فالمجتمع الإسلامي «محمّد والذين معه» يتخذ من عبودية اللَّه «ركّعاً سجّداً» أساساً
للنمو النوعي و الكمي «كزرع أخرج شطأه... فاستوى‏ على سوقه»، و هذه خصيصة نابعة
من صميم المجتمع التوحيدي. و لذا لايحتاج المجتمع الإسلامي إلى‏ من يبرّر له
اتساعه، بينما يحتاج المجتمع القومي إلى‏ ذلك، لأنّ القومية ليس من شأنها الاتساع،
فمن أين جاء الانجليز بامبراطورية لاتغيب عنها الشمس و هم قومية صغيرة؟

إن الحقيقة عالمية بطبعها و التوحيد عالمي بجوهره، و ما يكون عالمياً بطبعه و
جوهره لايسأل عن مبرّرات انتشاره و توسّعه، بينما تسأل القومية عن ذلك لأنّها
محلية بطبعها و جوهرها فما يحصل لها من الانتشار و التوسّع لايكون إلّا على‏
أساس العدوان و على‏ حساب القوميات الأخرى‏.

و من هنا نجد ان المحاولات الفكرية الرامية إلى‏ اثبات الطابع الدفاعي للجهاد و
الدعوة في الإسلام محاولات غريبة عن روح الإسلام و كنه التوحيد. و كأن الجهاد


(1). الفتح 29-28.


|111|

نوع من الاعتداء فيحتاج إلى‏ شى‏ء من التبرير. و كيف يكون المجاهدون معتدين و
أنت تراهم «ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من اللَّه و رضواناً سيما هم في وجوههم من
أثرالسجود»؟

و كيف يكونون معتدين و هم يريدون الدار الآخرة التي جعلها اللَّه للذين
(لايريدون علوّاً في الأرض و لافساداً)
[1].

إن الاتساع القومي ينطوي بطبعه على‏ الاعتداء لأنّه لايقوم إلّا على‏ أساس
فرض ثقافة و قيم شعب على‏ شعب آخر. بينما ينطوي الاتساع الإسلامي على‏
الرحمة لأنّه قائم على‏ أساس فرض سيادة التوحيد و قيمه على‏ الأرض. و التوحيد
ثقافة سماوية لا علاقة لها بالأوطان و القوميات، فلايكون فرضها على‏ الأرض إلّا
رحمة لأهلها، و المحاولات التي يبذلها البعض لإثبات دفاعية الجهاد لا تستند إلى‏
رؤية كافية.

و يعتقد الأستاذ سيّد قطب أن الذين يبررّون الجهاد بحماية الوطن يغضون من
شأن المنهج و يعتبرونه أقل من الموطن، بينما لاتجد الأرض في‏الإسلام قيمة ذاتية
و كل قيمة لها في‏التصوّر الاسلامي إنّما هي مستمدّة من سيادة منهج اللَّه
وسلطانه‏فيها[2].

و يجيب الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر عن سؤال وجّه إليه حول الفرق
بين الفتح الإسلامي و الاستعمار بما ملخّصه: إن لكلّ حضارة قاعدة تستند إليها، و
إنّ سعي الحضارات نحو التوسّع لابدّ أن يُقيّم في ضوء القاعدة الفكرية التي تستند
إليها، فإن كانت تنسجم مع الاتساع فهو مشروع و إلّا فلا. و الحضارة الإسلامية
تقوم على‏ قاعدة التوحيد، و هي تستبطن في داخلها الحق في السيادة و الانتشار و
الاتساع، و حينئذٍ لايحتاج الجهاد إلى‏ تبرير. بينما تقوم الحضارة الغربية على‏


(1). القصص: 83.

(2). معالم في الطريق / ص‏104.


|112|

تقديس الحرية و هذه القاعدة تشجب بطبعها كل صور الإكراه و الفرض حتى‏ لو
كان إكراهاً على‏ الحرية نفسها، و حينئذٍ لايحقّ للغربيين - طبقاً لحضارتهم -
التدخّل في شؤون الشعوب الأخرى‏ حتى‏ لو كان هذا التدخّل معنوناً بالدفاع عن
الحرية و الديمقراطية، فكيف به إذا كان دفاعاً عن الديكتاتورية كما هو الغالب؟[1].

و الحقيقة أن السعي نحو الاتساع ظاهرة قائمة في‏كل الحضارات، و هذا ما يدلّ
على‏ أن العالمية نزوع عميق في الإنسان، لكن هذا النزوع إذا صادف عقيدة أخلاقية
فسيكون لصالح الإنسانية، و إذا خلي الإنسان و أهواءه فيكون اعتداءً عليها.

و يحاول الشهيد مرتضى‏ المطهري طرح المسألة من زاوية حقوقية فيتساءل: هل
التوحيد حق شخصي أم حق إنساني عام كالحق في الحرية و الحماية؟ فإذا كان
شخصياً فلايجوز التدخّل في الحقوق الشخصية للإنسان، و ان كان حقّاً عامّاً يكون
التدخّل واجباً من أجل حماية النوع؛ كالإجراءات الوقائية التي تفرضها الدولة ضد
بعض الأمراض الجرثومية حيث تجد الدولة من حقّها إلزام الأفراد بالتطعيم ضد
الوباء. و أخيراًيصل إلى‏ أن التوحيد من النوع الثاني[2]. و لكن النظر في الآيات
القرآنية و النصوص الشريفة يساعد على‏ كون التوحيد حقّاً للّه تعالى‏. قال تعالى‏:
(و ما خلقت الجن و الإنس إلّا ليعبدون)
[3].

كما أن القول المشهور للإمام علي(ع): «إلهي ما عبدتك حين عبدتك طمعاً
في‏جنّتك و لا خوفاً من نارك و إنّما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»
يدلّ على‏ أن
العبودية هي إيفاء لحق اللَّه على‏ الإنسان. و لكن حق اللَّه ينسجم تماماً مع حق
الإنسان، لأنّ اللَّه أولى‏ بعبده و أعرف بمصلحته و أدرى بحاجاته و هو أرحم به من
الإنسان بنفسه، و حينئذٍ تكون مشروعية الجهاد أشدّ و أقوى‏، لأنّ التوحيد سيكون


(1). المجموعة الكاملة لمؤلّفات السيّد محمّد باقر الصدر / ج‏13 / ص‏99.

(2). الجهاد و حالاته المشروعة في القرآن / ص‏31، 32.

(3). الذاريات / 56.


|113|

حق اللَّه بالذات و حق الإنسان بالعرض، و لو كان حقّاً إنسانياً محضاً لكان بإمكان
الإنسانية أن تسقط هذا الحق فلايكون وجه للإلزام بالتوحيد أو العقوبة على‏ الشرك.

و يعتقد الشهيد المطهري أن الحرية تعني إزالة ما يمنع عن فعالية قوّة تقدّمية و
فكرة فعّالة لدى‏ الإنسان، و عبادة الأصنام ليست من هذا النوع لأنّها جمود في
الفكر و العواطف، و بالتالي فإن محاربتها لاتعني محاربة لحرية الفكر و إنما إطلاق
لحركة الفكر و العقل[1].

و يؤيّده العلّامة السيّد محمد حسين فضل اللَّه بالقول: «إن الشرك لايعتبر بمثابة
العقيدة التي يمكن أن يقام لها وزن في حساب الحرية لدى‏ الإسلام.... و من هنا
لابدّ من إخضاع أتباعه لسيطرة الدولة الإسلامية... كطريق عملي للسيطرة على‏
عنصر الفساد و الإفساد في الأرض»[2].

و لكن هذا الجواب يتم في الشرك و لايتم في غيره من الجهات المقصودة
بالجهاد. فالدهريون و الملحدون الذين يفلسفون الحياة و المجتمع في ضوء المادة
يجاهدهم الإسلام كما يجاهد المشركين، و يخاطبهم بحكم واحد و هو التخيير بين
إعلان الشهادتين أو القتل، فهذا الجواب صحيح لكنّه فرعي خاص و الجواب
الأساسي العام هو ما تقدّم.

و من نتائج البحث في الجهاد البحث في طبيعة العلاقة بين دار الإسلام و دار
الحرب و هل الأصل فيها الحرب، و السلم استثناء أم بالعكس؟

فقد ذهب جمهور الفقهاء قديماً و حديثاً من السنّة و الشيعة إلى‏ القول: بأن
الأصل في العلاقة بين الدارين الحرب و أن السلم استثناء. و في ضوء ما مرّ من
البحث يتّضح لنا أن هذا الموقف أمر طبيعي و حتمي لم‏يكن بوسع فقيه الخروج
عليه لأنّه متفرّع على‏ مقدّمة قرآنية أكيدة. فما دامت السيادة على‏ العالم حقاً طبيعياً


(1). الجهاد و حالاته المشروعة في القرآن / ص‏44.

(2). الإسلام و منطق القوّة / ص‏217.


|114|

للإسلام وحده من جهة، و ما دام هناك أناس يرفضون الإقرار للإسلام بهذا الحق
من جهة ثانية، فمن الطبيعي أن ينظر الإسلام لهؤلاء المعاندين على‏ أنّهم وجود
سياسي غير شرعي، فيكون الأصل في العلاقة بين‏دار الإسلام ودار الكفر هو
الحرب إلى‏ أن يستوعب الإسلام بسلطانه آخر شبر من الأرض و آخر فرد يعيش
عليها. فهذا الموقف نتيجة حتمية للمقدّمة القرآنية الأكيدة المتمثّلة بحق الإسلام في
السيادة على الأرض. و هناك نصوص عديدة في السنة الشريفة تعزّز هذا الموقف
تناولها الفقهاء في أبحاث الجهاد من مؤلّفاتهم.

و لكن الفترة الأخيرة شهدت ظهور محاولة من فقيه سنّي و أخرى من فقيه
إمامي لإثبات أن الأصل في العلاقة بين الدارين هو السلم و أن الحرب استثناء
جرياً على ما سار عليه القانون الدولي‏الوضعي. المحاولة الأولى للشيخ الدكتور و
هبة الزحيلي في كتابه «آثار الحرب في الفقه الإسلامي» و المحاولة الثانية للعلّامة
السيّد محمّد حسين فضل اللَّه في كتابه «الإسلام و منطق القوّة».

المحاولة الأولى تبدأ من القول: بأنّ الجهاد نوع ممّا يسمّى الآن بمقتضيات
الدفاع الوقائي، و أنّه بكلمة موجزة وسيلة «في يد ولي الأمر لحماية نشر الدعوة أو
للدفاع عن المسلمين». و أن الفتح أجيز بشرط أن تكون الدولة المفتوحة قد
اعتدت على الإسلام أو ثبت لدى المسلمين أنّها تأخذ الأهبة للاعتداء، فليست
المسألة حقاً طبيعياً في الاتساع و السيادة يمارسه الاسلام كلّمالمس ظرفاً مؤاتياً،
و إنّما مسألة دفاع وقائي. ثم يصل إلى القول: بأنّ تقسيم الدارين مبني على أساس
الواقع لا الشرع و من صنيع الفقهاء في القرن الثاني و أنه كان بسبب قيام حالة
الحرب فعلاً، ولا ضرورة في‏أن يتواصل إلى الأبد بل ينتهي بانتهاء الأسباب التي
دعت إليه. و هكذا يقرّر في النهاية. أن عبارات الفقهاء في أن الأصل هي الحرب
ليست حجّة على أحد إذ لا دليل عليها من قرآن أو سنّة و إنّما هي حكم زماني.

و أن الشافعي اعتبر الأرض داراً واحدة و أن التقسيم الثنائي أمر طارئ.


|115|

و يستفيد الدكتور الزحيلي من هذا الاعتبار أن الأصل هو السلم. و يؤكّد قائلاً:
إن آيات القرآن قاطعة الدلالة على أن الأصل هو السلم حتى يكون اعتداء[1].

و أكّد السيّد محمد حسين فضل اللَّه في محاولة أن «كل ما هناك ان الجهاد
مشروع في نطاق شروطه الشرعية و لذا فإننا لانستطيع اعتباره أصلاً يحتاج تركه
إلى الرخصة».

و بعد أن يطرح عدداً من الآيات القرآنية حول القتال و يناقش دلالاتها يبدي
«التحفظات حول الفكرة التي يدعو إليها جمهور فقهاء المسلمين من اعتبار الحرب
أصلاً في الشريعة الإسلامية حيث يحتاج السلم إلى مبرّر، فربّما كانت الفكرة الأكثر
قرباً للإسلام هي اعتبار السلم أصلاً لتكون الحرب قضية طارئة تخضع لمبرراتها،
ولهذا ترجع إليه كلّما زالت المبررات. أو ربّما كانت قضية السلم و الحرب خاضعة
لمصلحة الإسلام و المسلمين فليس أحدهما أصلاً ليكون الآخر أمراً طارئاً».

و يبدو منه أخيراً الميل إلى عدم إعطاء الأصالة لأي من الحالتين «فقد تتطلّب
المصلحة العليا أن يكون الأسلوب السلمي سبيل العقيدة إلى الدخول في حياة
الناس، و قد يكون العنف هو الأسلوب الأمثل في ذلك كلّه. فللقائمين على التخطيط
لحركة العقيدة أن يأخذوا بهذا أو بذاك من دون خوف أو حرج»[2].

و نلاحظ على محاولة الدكتور الزحيلي أن حروب النبي(ص) لم‏تكن كلّها
دفاعية و إن كان الطابع الدفاعي هو الغالب فيها. و لو كان الدفاع هو الأساس في
الجهاد لقُدّر الجهاد بقدر ردّ الاعتداء المعبّر عنه بالتأديب و لكان الزائد عنه غير
مشروع. فلماذا يصرّ الجهاد على المضي إلى الإمام حتى تحقيق الفتح؟

صحيح أن ملك الفرس استهزأ بكتاب النبي(ص)و رسوله إليه و بعث إلى


(1). وردت هذه الآراء و الأفكار مبثوثة ضمن أبحاث الكتاب، انظر الصفحات التالية 55، 63، 74، 125، 132،
133، 135، 172، 194، 739.

(2). الإسلام و منطق القوّة / 224-221.


|116|

الجزيرة من يأتي إليه بالنبي مخفوراً و لكن هذا لايبرّر فتح بلاد فارس لو كان
الجهاد دفاعياً فقط. و هذا السلوك من ملك الفرس أمر متوقّع من أمثاله. فلو لم‏يكن
الفتح هدفاً للجهاد منذ البدء و كان دفاعياً محضاً لما كان لفتح بلاد فارس ما يبرّره.
و لو كان الدفاع هو الأساس لوجدناه واضحاً في لسان قادة الفتح الثلاثة الذين
سألهم رستم قبل المعركة عن السبب الذي جاء بهم إلى هنا فأجابوه بجواب غريب
عن الدفاع تماماً حيث قالوا: «اللَّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة
اللَّه وحده... و من جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسل رسوله بدينه إلى‏ خلقه فمن
قبله منّا قبلنا منه و رجعنا عنه و تركناه و أرضه و من أبى قاتلناه حتى نفضي إلى
الجنّة أو الظفر».

و هو جواب يتطابق تماماً مع قول النبي(ص): «أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا: لاإله‏إلّااللَّه فمن قالها: فقد عصم مني نفسه و ماله...»[1] و كأنّهم فهموا هذا
الحديث و جاءوا انطلاقاً منه. و هو خير ما يوضّح أن الجهاد ليس دفاعياً بل هدفه
فرض السيادة الإسلامية في الأرض.

و قد رأينا في بحث دار الإسلام و دار الكفر أن تقسيم الأرض إلى دارين ليس
من صنيع الفقهاء و أن نصوص الأئمّة(ع) اشتملت على هذا التقسيم، و أن نصّاً نبويّاً
صحيحاً ورد بطرق الإمامية و هو مشتمل على مصطلح دار الحرب. و إن كان من
صنيع الفقهاء فعلاً فإنّه صنيع حتمي يفرضه حق الإسلام في السيادة من جهة و
امتناع المعاندين عن الإقرار بهذا الحق من جهة أخرى. و هذا واقع دائم ثابت ما دام
هناك مسلم و كافر على وجه الأرض. و لا معنى لقول الشيخ الزحيلي بأن هذا
الواقع ينتهي بانتهاء أسبابه، إلّا أن يذعن المسلم للكفر بشرعية وجوده عل وجه
الأرض. و هذا ما لايمكن أن يقوله مسلم. فالمسلم بإمكانه الإذعان للأمر الواقع


(1). صحيح البخارى / كتاب الزكاة / ح 1312 بترقيم العالمية، و ورد ايضاً في صحيح مسلم / كتاب الايمان /
ح‏29 بترقيم العالمية.


|117|

لكنّه ليس مأذوناً بالاعتراف للكافر بالشرعية لوجوده السياسي. و الفرق جلي بين
الإذعان للواقع و الاعتراف بشرعيته.

و من الغريب أن يستعين الشيخ الزحيلي لإثبات رأيه بما رآه الشافعي من أن
الأرض دار واحدة و أن التقسيم الثنائي أمر طارئ. و قد مرّ بنا هذا المعنى فيما سبق
من البحث؛ ذلك أن الأرض في الأصل دار واحدة للإسلام و لا انقسام في دار
الإسلام. و أن انقسام الأرض إلى دارين حالة طارئة - بالقياس إلى هذا الأصل -
ناشئة من عناد الكفّار في الإقرار بالسيادة الإسلامية. و هذا المعنى لا غبار عليه و
لايدلّ على مراد الشيخ الزحيلي. و كيف يقصد الشافعي من كلامه هذا أن الأصل هو
السلم و هو يرى أن قتال المشركين يستمر حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية كما نقله
الشيخ الزحيلي نفسه؟

كما أن الآيات التي ادّعى دلالتها القاطعة على رأيه منصرفة عن هذه الجهة.

و خلاصة الموقف من المحاولتين معاً أن الآيات و النصوص الدالّة على حق
الإسلام في بسط سيادته على الأرض تؤدي بنا إلى القول بانقسام الأرض إلى
دارين، و ان العلاقة بين الدارين تدور بين أصل و استثناء. الأصل هو الحرب و
الاستثناء هو الهدنة، و لايمكن أن تقوم علاقة و دية سلمية طبيعية بينهما. و هذا
لايعني أن تكون دولة الإسلام دموية على طول الخط و أنّها لاتختم حرباً حتى
تعلن أخرى. فمن الممكن أن تلجأ إلى الهدنة و المعاهدات في علاقاتها مع الدول
الأخرى كلّما وجدت ذلك ضرورياً لها و لحركة الإسلام في العالم، و هذا شيى‏ء
غير جعل السلم أصلاً في العلاقات، فإن الهدنة تسمح لدار بالشعور بحقّها المستمر
في الاتساع عندما تحين الفرصة المؤاتية و بعدم مشروعية دار الكفر، و بضرورة
إخضاعها للسيادة الإسلامية يوماً ما، بينما يُسحق هذا الشعور عندما يكون الأصل
في العلاقة بين الدارين هو السلم.

و على أساس الجهاد ينقسم المجتمع البشري إلى ثلاثة أقسام:


|118|

1. إنسانية ملتزمة بالتوحيد التزاماً تامّاً و هؤلاء هم المسلمون الذين يستحقون
السيادة على الأرض. فالحقوق السياسية خاصّة بهم.

2. إنسانية شبه ملتزمة. و هؤلاء هم أهل الكتاب الذين تفرض عليهم الجزية و
يمنحون حقوقاً إنسانية فقط و يكونون خاضعين للسيادة الإسلامية.

3. إنسانية غير ملتزمة و هؤلاء هم المشركون و الملحدون الذين يفرض عليهم
الإقرار بالشهادتين، فإن تلفّضوا بهما أصبحوا من رعايا دار الإسلام و إلّا
استحقواالقتل.

و من المفيد أن نختم هذه الدراسة بما كتبه الإمام الشهيد الصدر عن الاستحقاق
السياسي الإسلامي للأرض كل الأرض، فقد كتب يقول:

«ان استحقاق الدولة الإسلامية للأرض نوعان؛ النوع الأوّل الاستحقاق السياسي
و هو ما تستحق الدولة الإسلامية من الأرض باعتبارها الإدارة السياسية العليا
للإسلام، أي باعتبارها المسؤولة عن الكيان و الموظّفة الشرعية عن تطبيقه و نشره
و حمايته. و دائرة هذا الاستحقاق ليست محدودة بحدود؛ لأنّ الكيان السياسي
للدولة الإسلامية قائم على مبدأ فكري عام لا تختلف بحسابه الأراضي و البلاد، و
لذلك كان الإسلام المتمثّل في الدولة الإسلامية صاحب الحق الشرعي في الأرض
كلّها (و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)

فيحق للدولة الإسلامية إخضاع جميع أراضي العالم لها سياسياً، غير أن طريقة
استعمال هذا الحق و شكل تنفيذه يختلف باختلاف طبيعة الأشخاص المستوطنين
من حيث كونهم مسلمين أو ذميين أو كفّاراً غير ذميين إلخ... و تشرح ذلك الأحكام
الشرعية المتعلّقة بسياسة الدولة الخارجية»[1].


(1). الإمام الشهيد محمّد باقر الصدر / ص. 340

تعداد نمایش : 2192 <<بازگشت
 

 فهرست مجلات فصلنامه حکومت اسلامی بصورت فایلهای PDF

 

 

 فهرست کتاب ها 

 

 

درس خارج
«فقه نظام سیاسی اسلام»
استاد: حضرت آیت‌الله محسن اراكی دام‌عزه

         کلیه حقوق برای مرکز تحقیقات علمی دبیرخانه خبرگان مجلس محفوظ است.

صفحه اصلی|اخبار|راهنمای تنظیم و ارسال مقالات|کتاب ها|فصلنامه|درباره ما