صفحه اصلی|اخبار|درس خارج فقه نظام سیاسی اسلام|تماس با ما
منو اصلی
اوقات شرعی
ورود
نام کاربری :   
کلمه عبور :   
عضویت
خطوات نحو الدولة العالمية
خطوات نحو الدولة العالمية تاریخ ثبت : 1390/12/03
طبقه بندي : الدولة الاسلامية دولة عالمية ,
عنوان : خطوات نحو الدولة العالمية
آدرس فایل PDF : <#f:86/>
مولف : <#f:89/>
نوبت چاپ : <#f:90/>
متن :

|160|

خطوات نحو الدولة العالمية




خطوات نحو الدولة العالمية

آن لنا و الكتاب قد بلغ نهايته ان ننتقل من حقل الفكر إلى حقل الواقع، من
النظرية إلى التطبيق، نترسم مواقع الاقدام في ضوء خطوات الفكر، بغية الوصول إلى
منهج عملي متكامل في مضمار بناء الواقع، دولة و مجتمعاً و ثقافة، في ضوء عالمية


|161|

الاسلام، واضعين علامات الصواب و الخطأ و الاستفهام و الاستنكار كل بحسبه
امام ما نراه كذلك، مشيرين في الوقت نفسه الى الخطوات اللازمة على
طريق‏التصحيح.

والبحث التالي عبارة عن إثارات على هذا الطريق موزعة على الصعد المختلفة،
بعد مقدمة عن مستلزمات الرسالة العالمية، و اخرى‏عن العوامل المشجعة لسلوك
النهج العالمي.


مستلزمات الرسالة العالمية

أن الرسالة العالمية تستلزم مجتمعاً قد بني بناءاً عالمياً كافياً يتيح له التجاوب مع
اطروحاتها و اهدافها و برامجها المختلفة، بمعنى ان القائمين على هذا المجتمع لابد
و ان يلاحظوا ضرورة الارتفاع بالواقع الاجتماعي القائم إلى مستوى التطابق مع
خصوصيات الرسالة الاسلامية، و في مقدمتها الخصوصية العالمية، و هي و ان كانت
لا تتطلب بالنسبة إلى مجتمعاتنا الاسلامية شيئاً يزيد على اجلاء الفطرة الانسانية و
تعميق الاسلام في واقعها السياسي والاجتماعي و الثقافي، إلّا ان الالتفات إلى هذه
الجهة و الاهتمام بها، و التركيز عليها من شأنه المساعدة على أمرين ضروريين في
عملية البناء الاجتماعي و هما:

1. زيادة التحسّس و تركيز الانتباه تجاه الظواهر و الممارسات الاجتماعية و
الثقافية المخالفة لتلك الخصوصية، بحيث لو لم يكن هناك التفات إلى الضرورة
المذكورة لكان التحسس بتلك الظواهر المخالقة قليلاً، و لغفل رعاة المجتمع عنها،
أو لاعتبروها من الأمور الهيّنة التي يمكن التسامح بشأنها، و لكانت النتيجة ان البناء
الاجتماعي يقام على واقع غير منسجم معه، مما يقلل من كفاءة هذا البناء و هدفيته.

2. البرمجة و التخطيط: ذلك ان البناء الاجتماعي و عملية التغيير تتطلب تخطيطاً
وبرمجة كافية وهذا بدوره يتطلب اهتماماً و تركيزاًعلى المحور المقصود بالتغيير،


|162|

فلو لم تكن هناك ملاحظة لضرورة الارتفاع بالواقع الاجتماعي إلى مستوى التطابق
مع خصوصيات الرسالة الاسلامية لم تتيسر عملية التخطيط و البرمجة، و كانت
الحركة الاجتماعية حركة مرتجلة غير مدروسة.

و أهمية هذين الامرين تقاس بأهمية الجهة المطلوبة منهما، فكلما كانت الجهة
المطلوبة بهما رفيعة ازدادت أهمية التحسس لما يخالفها و التخطيط من أجل
الوصول إلى حالة مطابقة لها، والجهة المطلوبة لدينا تحضى بأهمية عقائدية رفيعة،
بوصف ان العالميّة هي الوجه الانساني الذي يجسد اطلاق التوحيد على الساحة
الانسانية، بحيث ان حذف العالمية أو اهمالها في الحسابات العقائدية أو الاجتماعية
يؤدي إلى اختلال الرؤية الكونية للمجتمع الاسلامي، و تعويم التوحيد في
الساحةالاجتماعية.

ان على المجتمع الحامل للواء الرسالة الاسلامية في كل زمان و مكان ان
يعدّنفسه ليكون بالمستوى العالمي لهذه الرسالة و ان يثبت أهليته لذلك، و المجتمع
العاجز عن قراءة أفق من افاقها أو التفاعل مع بعد من ابعادها ليس بوسعه ان يكون
حاملاً للواءها على الساحة الانسانية، و ان كنا لانشك في كونه مجتمعاًمسلماً، لكن
القيادة امتياز لا يحلّ إلّا في واقع ممتاز عن غيره.

ان الانسان المسلم الذي يتقوقع في محل عيشه و يأبى التفاعل مع نظرة عالمية
تحدق في آفاق الأرض الاخرى يجب ان ينظر إليه من وجهة نظر اسلامية على انه
انسان مريض قد فقد بعض خواصه الطبيعية المطلوبة منه، و كيف يتاح لانسان
يتربى‏ على العبودية لرب العالمين، و ينتمي لرسالة عالمية تدعوه للشهادة على
الناس و لا تكون له عينان تجولان بين شرق الارض و غربها؟ إلايكشف ذلك عن
شخصية ناقصة و مختلّة؟ ثم اذا تقوقع المؤمن في محل عيشه و سكناه مستأنساً
بوطنيته إلا يكون ذلك سبباً لظهور فراغ دولي سيملأه الآخرون بنحو عدواني؟ بل
سيكون ذلك سبباً لظهور ما هو أسوأ، حينما يدّعي هؤلاء ان أوروبا هي الموطن


|163|

الأبدي للقيادة العالمية، و ان الرجل الأبيض هو ا لمؤهل للعب هذا الدور دون سواه
و بنحو دائم، و ان على الآخرين اتباعه في كل زمان و مكان، و إلأسوأ من كل هذا
و ذاك ان يقبع المسلم بالفشل و يسلّم لغريمه بهذه الادعاءات، و يقتنع بها كحقائق
غافلاً عن اوضح الحقائق التاريخية التي تقول: بأن المسلم كان يقود العالم لمدّة
عشرة قرون يوم كان الرجل الأبيض يتعثر في دياجيرالقرون الوسطى‏ التي يسميها
بالعصور المظلمة.

و هل من مفارقة اكبر من ان يدعى القومي الاوربي قيادة العالم!، و هو ادعاء غير
منطقي و غير منسجم مع نفسه و ينطوي على عدوان صريح طبقا للمقياس القومي
الذى ابتكره الغرب نفسه، بينما يستكين المسلم امامه رغم ما يحمله من رسالة
عالمية تتيح له و بنحو منطقي مشروع الادعاء بهذه القيادة العالمية؟ بل توجب عليه
ذلك كوظيفة شرعية.

والقسم المتعلق بالمسلم من هذه المفارقة هو الذى يسيئنا اكثر. فادعاء القيادة
العالمية رغبة فيما تحققه من امتيازات و علو امر متوقع من الاوربي و غيره،
والشي‏ء الذي يؤسف له تصديق المسلم و تسليمه له بذلك. كما لو كانت الاقدار
الكونية قد اقتضت ان تكون اوربا هى القيادة لما سواها من القارات دوما. و هذا مما
لا واقع وراءه، بل هو اسلوب دعائى تلجأ اليه الحضارات الحاكمة رغبة منها فى
تكريس الواقع الذي تريده و تخليده لتخلد من خلاله. و لتثبط عزائم الامم الاخرى
عن النهوض و التحرك لاخذ زمام المبادرة و الانفلات من الدوران فى فلكها، و ما
حكاية نهاية التاريخ التى اطلقهاالامريكان اخيرا الاطبعة منقحة من هذه الدعاية
القديمة، و لا ادل من ذلك على ضرورة اعادة بناء الشخصية الاسلامية بنحو يرفع
عنها هذا الخلل الذي ترزح فيه. و يجعلها اكثر توافقا مع مقتضيات العزة و الاصالة
الاسلامية. و اهم ما ينبغي القيام به في هذا المضمار تزريق الروح و النظرة العالمية
الواسعة في المجتمع الاسلامي بحيث يصبح هذا المجتمع يعيش القضية الانسانية


|164|

كأصل، والقضية المحلية كفرع، يعيش الواقع المحلي الفرعي بما هو صورة مصغرة
عن الواقع الانساني الاصيل ككل، يعيش انسانيته كدائرة انتماء اساسي، و يعيش
محليته كدائرة انتماء ثانوي، كما هو الانتماء للمدينة و المحلة التي يعيش فيها
كإنتماء ثانوي بالقياس الى البلد ككل.

و قد حقق الاسلام هذا الانجاز في بداية انطلاقته حينما استطاع ان يخرج
العربي من قمقم القبلية الضيق الى افق الانسانية الرحيب، من قضية محلية عاشها
العربي كاصل حتى حولها الى صنم يعبد، الى قضية انسانية في اطار العبودية لرب
العالمين. و في ظل هذه الشخصية الجديدة التى انجزها استطاع الاسلام ان ينطلق
في بناء حضارته الشامخة التي اظلّت البشرية طيلة عشرة قرون، ثم ما فتأت هذه
الشخصية تضعف و تذوي حتى بلغ بها الامر حد الاذعان لخصمها التأريخي و
الحضاري بالسيادة عليها.

و حينما يراد للاسلام ان ينطلق من جديد من بقعة جغرافية معينة لابد و ان
تستجيب هذه البقعة للروح العالمية التي يختزنها الاسلام، و ان تتحلى بهذه الروح
كأصل و تعيش خصوصيتها المحلية كإمتداد، و يتخذ منها انسانها موطنا لقدمية
حتى تعتدل قامته عليها و يجول ببصره و روحه و أفقه الاخلاقي و الفكري من
حول العالم، و يتعبأ من خلال ذلك بروحية القيادة العالمية. و تكون له همة بهذا
المستوى الصارخ و ان كان واقعه الفعلي اقل من ذلك بكثير. فبالطموح الكبير و
العزيمة القوية و الاستعداد الروحي و التربوي يتاح للانسان انجاز ما قد يبدو في
الوهلة الاولى ضربا من المستحيل، و بالخواء و الخوار الضعف يفقد الانسان ما
يحوزه فعلاً من امتيازات كبيرة.

ان الرسالة العالمية تتطلب مجتمعا و دولة يقومان على اساس ان يكون الحماس
الاول لها بوصفها المحور و القاعدة التى يقوم عليها ذلك المجتمع و تلك الدولة.

فالاسلام يبحث عن مجتمع رسالي ودولة رسالية، و من الطبيعي ان تنازع


|165|

القومية في ذلك، و تحرص على جعل الحماس الاول لها لا لغيرها، و الواجب في
مثل هذه الحالة السعي لترويضها و تهذيبها و توجيهها، لان من شأن الاستجابة لها
ان تتسرب القومية الى مضمون الدولة. و تصبح تلك الدولة متناقضة بين شعار
اسلامي رسالي عالمي، و مضمون قومى اناني، و عندما تخضع القومية لتهذيب
الاسلام و توجيهه لابد و ان يقال لها: ان الاسلام يرعى المعنى القومي الذي تبحثين
عنه بنحو افضل من رعايتك له، و ان ما يحققه الاسلام منه افضل مما تحققيه له. انتِ
تحولين المعنى القومي الى مثل اعلى و تدورين من حوله و تقدمين له النذور و
القرابين، و هذا يؤدي الى تجميد المحدود و الحيلولة دون كماله و ارتقاءه في
صورة ما ينسج له من الوهية كاذبة تستغني بالعجب و الغرور و الانتفاخ عن التطور
و الارتقاء الحقيقي، بينما يقدم الاسلام خدمة حقيقية لهذا المعنى حينما يضعه فى
موقعه المناسب مع حجمه و يقول له: انطلق نحو الكمال عبر التبعية للمطلق سبحانه
و تعالى. و نحن حينما نعطي الحماس الاول للاسلام، فإنما نعني بذلك اعطاءه لهذا
المطلق سبحانه و تعالى الذي يفيض كما لا على من حوله من المعاني المحدودة، و
حينما نشجب اعطاء الحماس الاول للقومية فلكى لا نغري بهذا المعنى المحدود، و
نحول دون تحويله الى عملاق كاذب يخدع نفسه و المؤمنين به و يقودهم باتجاه
الصراع مع سائر العمالقة الكاذبين من امثاله فى القوميات الاخرى، فتتحول الساحة
البشرية الى ساحة صراع بين الالهة الكاذبة المنتفخة.

ان عنصر الحماس شاخص مهم في تعيين درجة استقامة الانسان فى خط معين،
فان اعطى حماسه للارض فهو وطني، و ان اعطى حماسه لابناء وطنه فهو قومي، و
ان اعطى حماسه للإسلام فهو في الخط العالمي المقابل للوطنية و القومية، و من
السخف الاعتقاد بأن يعطى الانسان حماسه لاكثر من محور واحد في آن واحد، و
قد انكر القرآن الكريم ذلك بشدة اذ قال تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في


|166|

جوفه) [1] نعم الشي‏ء الصحيح هو ان نزعة الكمال لدى الانسان تحثه بإتجاه
الاشتمال على كل المطالب الضرورية لحياته. غير ان ذلك لا يعني القبول بكل
المحاور المطروحة و تقديم الولاء و الحماس لها جميعا، فإن ذلك تناقض يورث
النفاق، و انما الترجمة السلوكية الصحيحة لهذه النزعة تتمثل في اكتشاف المحور
الصحيح الذي اذا اخذ الانسان به تمكن من استيعاب سائر المحاور، و قابليته هذه
على استيعاب الاخرين يمكننا ان نجعلها دليلا على مصداقية و حقانية المحور
الذي يتحلى بها، و هى السمة التى يتمتع بها الاسلام، و يمتاز بها على ما سواه. و
حينئذ فالحماس للاسلام هو الحماس للوطنية الصحيحة و القومية الصالحة.


العوامل المشجعة على سلوك النهج العالمى

و مما يشجع الدولة الاسلامية المعاصرة على سلوك النهج العالمي في حقول
الدولة و المجتمع عوامل عديدة و مهمة من شأنها تذليل الكثير من الصعوبات و
المعوّقات التي ربما نظر الانسان اليها و حدها فأورثته نظرة متشائمة بشأن امكانية
قيام تجربة عصرية ذات مضمون عالمي حقيقي. و لكنه الى جانب ذلك عليه ان
ينظر الى العوامل المشجعة لتكون لديه نظرة واقعية متوازنة، و هي:


1. الاتجاهات الجديدة للانسان المعاصر

لقد غدا واضحا ملموسا لدى اكثر المتتبعين ان الانسان المعاصر بدأ يميل نحو
المعنويات بعد ما قضى دورة من حياته في مادية حادة، و من الطبيعي ان يترجم هذا
الميل بنزوع نحو الدين الصحيح المتمثل بالاسلام، و هو، اصبح يشكل ظاهرة
ملموسة على مستوى المجتمع الانساني ككل، رغم كل ما يواجهه الاسلام من
حملات تشويهية و قمعية و حروب ظالمة لا هوادة فيها.


(1). الاحزاب / 4.


|167|

كما غدا واضحا ايضا ان الانسان المعاصر بدأ و بفضل عوامل عديدة ينبذ
العنصرية و يميل نحو التآخي الانساني و الروح العالمية المنفتحة. و ما الحكاية
الاستعمارية الجديدة عن العولمة و القرية العالمية الواحدة، الّامحاولة امريكية
لاستثمار هذا الميل و استغلاله، و هذا ما يوفر فرصة سانحة و ارضية ثقافية و
سياسية كافية لتحرك اسلامي باتجاه العالمية، و اخذ زمام هذه المبادرة و فضح
المحاولة الامريكية الموسومة بالعولمة، بوصفها محاولة كاذبة لا تقصد احتذاء
المعنى العالمي و تطبيقه في الحياة الدولية و انما تقصد اخضاع العالم للهيمنة
الامريكية، بما يعني في النتيجة ركوب الموجة العالمية المعاصرة لصالح المعنى
القومي الامريكي.


2. القدرة الانتشارية للاسلام

و مما يشجع على سلوك النهج العالمي ايضا قدرة الاسلام العالية على الانتشار و
النفوذ، فما ان يلامس شعاع الاسلام شغاف القلوب حتى تتفتح امامه، و تتلقفه
النفوس، و الشاهد التاريخي على ذلك ان الشعوب و القوميات التى دخلت في
الاسلام بنحو متعاقب فى اكثر بقاع آسيا و أفريقيا قد أقبلت عليه بمجرد أن تعرفت
عليه و ارتفع الحاجز السياسي الذي يحول بينها و بينه. فيوم كان هذا الدين ضعيفا
كان مشركوا مكة يحاربوه بقسوة و شدة و يوم اصبح قويا بعد فتح مكة قابل
قسوتهم بالعفو عنهم جميعا الا من حمل السيف ضده، و اطلق لهم الامان و جعل
بيت ابي سفيان من مراكز هذا الامان على الرغم من ان هذا الرجل كان من الدّ
اعداءه و لم ترتفع راية ضد الاسلام الا و كان وراءها. و المؤرخون يؤكدون على ان
العرب الذين دخلوا في الاسلام بعد صلح الحديبية في سنتي الصلح اكثر من الذين
دخلوا فيه فى العشرين سنة السابقة عليه.

و دخلت فارس في الاسلام بعد معركة لم تستهدف الفرس كشعب و انما
استهدفت الجهاز الحاكم فيها. و ما كاد زمنا طويلا يمر على اسلام الفرس حتى


|168|

برعوا في العلوم الاسلامية و اصبحوا يمثلون القسم الاعظم من حملتها. و هذه
ظاهرة غير مألوفة فإن الفاتحين يجب ان يكونوا اكثر عطاءاً لثقافتهم من اهالي
البلاد المفتوحة الذين يتوقع منهم ان يدافعوا عن ثقافتهم القومية الخاصة بهم. فكيف
اهمل الفرس ثقافتهم الخاصة بهم و اصبحوا من ابرز حملة ثقافة الفاتحين؟، لقد
انفتحت الشخصية الفارسية على الاسلام انفتاحا نفسيا و فكريا كاملا، و لم تبقِ
على حجاب في اعماقها يفصلها عنه، مع ان ذلك يمثل عملية حضارية هي بالنسبة
للفرس اصعب بكثير مما هي للعرب و ذلك من جهتين:

الاولى: العنصرية الشديدة التى كانت تحكم النظرة الفارسية تجاه العرب و
بالعكس. بينما العرب لم يعانوا من حجاب قومي يمنعهم عن الاسلام.

الثانية: ان الفرس كانوا اهل حضارة و ثقافة و فلسفة و كان دخولهم فى الاسلام
يحتاج الى عمليتي هدم و بناء كاملتين. بينما الجاهيلة العربية لم تكن تمثل حضارة
و فلسفة، و لم يكن دخول العرب فى الاسلام يحتاج الا الى عملية هدم جزئية و
عملية بناء كاملة.

فما هو نوع القوة التي ازالت عن الفرس هاتين الصعوبتين الى الحد الذي جعلهم
مستعدين الى هجر حضارتهم و ثقافتهم و نظرتهم العنصرية الراسخة تجاه العرب و
الدفاع عن ثقافة الفاتحين بما في ذلك خدمة اللغة العربية اكثر من اهلها؟ هل هناك
سيف يستطيع أن يصنع ذلك ام هو سيف الحقيقة الاسلامية التي تشب جذوتها في
النفس منذ الوهلة الاولى للتعرف عليها.

و من الذي فتح بلاد الاندلس غير البربر الذين كانوا من ابرز من تثقف بالاسلام
و حرص عليه في شمال افريقية و بلاد الاندلس؟ فهل دخل البربر في الاسلام عن
طريق القوة؟ ام بفضل القدرة الانتشارية للاسلام؟.

و يمثل دخول اندونيسيا و مناطق اخرى من شرق و جنوب شرقي آسيا في
الاسلام عن طريق الدعاة من التجار المسلمين شاهد لانظير له على دين ذى قدرة


|169|

انتشارية مذهلة.

و هل دخلت افريقية في الاسلام بقوة السيف ام بقوة الاقناع؟.

و يُعد دخول المغول و التتر في الاسلام حالة من عجائب التأريخ، فهؤلاء الذين
نزحوا من اوطانهم ليكونوا اقسى غزاة عرفهم التأريخ الانساني ما ان لامس
الاسلام شعورهم و احساسيسهم حتى انقلبوا على جاهليتهم و دخلوا فيه، و قد
اثبتت وقائع القرن العشرين، خاصة العقود المتأخرة منه، ان الجاذبية و القدرة
الانتشارية خصوصية مستمرة في الاسلام، فرغم مادية القرن العشرين الحادة، و
فقدان المسلمين لروحية الدعوة، و تقاعسهم عن هذه الوظيفة، الاان شعاع الاسلام
قد نفذ الى قلوب الملايين فى اوربا و افريقيا و مناطق من آسيا بدون وسيط،
اكثرهم من اوساط ثقافية رفيعة، و منهم رموز فكرية معروفة على مستوى عالمي،
كالفيلسوف الفرنسي المعروف روجيه غارودي.


3. قابلية المجتمعات الاسلامية على تجاوز المعنى القومي

صحيح ان المجتمعات الاسلامية قد اُشربت في تأريخها المعاصر المعنى القومي
بنحو ابعدها عن المعنى العالمي الذي ينشده الاسلام، و لكننا من ناحية اخرى يجب
ان نلاحظ ان عمق الاسلام فى هذه المجتمعات لم يسمح للقومية بتجاوز السطح، و
ما دام العمق سليما فبوسع هذه المجتمعات ان تتجاوز الاثار السطحية التي تركتها
القومية عليها يوما ما. فالمجتمعات التي تتربى عقائديا وروحيا على تقديس نقطه
جغرافية خارج حدودها الاقليمية، و هي مكة المكرمة، و تتخذ منها قبلة في
صلواتها اليومية، و حرما الهيا امنا. بحيث تكون هذه النقطة اكثر حرمة و قدسية من
اوطانها، هذا من جهة. و تتربى من جهة ثانية على عقيدة تنصهر بين جنبتيها كل
عصبيات الارض والدم و القبيلة، و تنمو بدلا عنها قيم الفضيلة، فمثل هذه
المجتمعات لا يمكن ان تعيش المعنى القومي في حياتها كحالة عميقة، و لا يمكن
ان يختفي المعنى العالمي عن ضميرها الداخلي، و اذا ما القينا نظرة عابرة على


|170|

تأريخ هذه المجتمعات وجدناها تتبع القيادات التي تؤمن بها بغض النظر عن
انتمائها القومي و الاقليمي، كما نجد هذه القيادات تبادر الى تبني قضايا اسلامية
خارج دائرة انتمائها القومي والاقليمي، بحيث نستطيع ان ندعي اليوم أن شخصيات
اسلامية كالميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين، في العراق و الشيخ
حسين النائيني و السيد أبوالحسن الأصفهاني قائدي الحركة الاستقلالية في العراق
اصدق في ميزان الوطنية العراقية من عبد المحسن السعدون و ياسين الهاشمي و
اضرابهما من دعاة الوطنية و العروبة في العراق، كما ان شخصية اسلامية كالشيخ
مهدي الخالصي اصدق وطنية في ميزان الوطنية الايرانية من امثال رضاخان و نجله
محمدرضا شاه، كما ان شخصية من قبيل عبدالحميد الثاني اصدق في الدفاع عن
فلسطين من كثير من دعاة الوطنية الفلسطينية.

و تمثل مسألة مرجعية التقليد و الفكر ميداناً بارزاً يتجلى من خلاله المعنى
العالمي الذي تعيشه المجتمعات الاسلامية في اعماقها، فسيد قطب المصري اتخذه
المسلمون في الهند و باكستان وتركيا فضلاً عن مناطق افريقيا مرجعاً فكرياً
بارزاًلهم، و لعب أبو الاعلى المودودي الدور نفسه، هذا على الصعيد السني، اما
على الصعيد الشيعي فالظاهرة نفسها تتكرر بنحو اكمل و ابرز، فالمرجع الديني
الشيعي يُقلّد في الامور العبادية و يتبع في الامور السياسية و الفكرية من قبل العرب
و الفرس و الترك و الهنود و الباكستانيين و التبت بغض النظر عن انتمائه القومي
والاقليمي، و كل من طالع التاريخ الشيعي الحديث يعرف الدور الواسع الذي لعبه
المحقق الكركي و الشيخ جعفر كاشف الغطاء والشيخ موسى كاشف الغطاء و الشيخ
مهدي الخالصي و هم مراجع عرب في الواقع الايراني، كما يعرف دور أمثال
السيداليزدي و الميرزا محمد تقي الشيرازي و السيد أبوالحسن الاصفهاني
والسيدهبة الدين الشهرستاني - و هم مراجع و فقهاء فرس - في الواقع
العراقي.ومن يعرف ان كربلاء و النجف تعيشان في ضمير الشيعي الهندي


|171|

والباكستاني و الايراني اكثر مما تعيشه كلكتا و اسلام‏آباد و شيراز فيه، يستطيع
ان‏يقدر مدى قدرة المجتمعات الاسلامية على تجاوز المعنى القومي
والالتفاف‏حول المعنى الاسلامي العالمي. و حجم الارضية الاجتماعية المساعدة
لبناء دولة عالمية تتجاوز المعنى الوطني و القومي في بنيتها الدستورية و السياسية و
الحقوقية والاجتماعية.


خطوات نحو الدولة العالمية

يمكننا تقسيم الخطوات اللازمة على طرق الدولة العالمية المنشودة الى ثلاثة
اقسام‏هي:


1. خطوات على الصعيد العقائدي

ذكرنا انفاً ان الدولة الاسلامية هي الدولة العالمية الوحيدة بالمعنى الحقيقي
للعالمية، بحكم ان التوحيد هو المنشأ الوحيد لها، و بالتالي فلا عالمية الا عالمية
الدولة التوحيدية، و هذا يتطلب بطبيعة الحال من الناحية السياسية فضلاً عن
العقائدية ان تكون الدولة الاسلامية و فية لقاعدتها العقائدية، حريصة عليها حارسه
لها مدافعة عنها، كما تدافع كل دولة عن اساسها و مبدأها الذي تقوم عليه.

و عليها في الوقت نفسه ان تسعى لتعميق هذه العقيدة في الواقع الاجتماعي الذي
تقوده ما دامت أنهاقد راهنت على دور الاسلام في حل المشكلات الاجتماعية
المختلفة للانسان في كل زمن و مكان، واي فتور في ذلك من شأنه ان يخل بسمتها
العقائدية الايديولوجية و يؤدي في النتيجة الى تسلل مفاهيم اجنبية عنها الى
داخلها، بحكم ان الوجود لا يتلاءم مع الفراغ. فلا يفرغ مكان من شى‏ءغ الا وحلّ فيه
شى‏ءغ آخر. على غرار قاعدة الاواني المستطرقة التي تنطبق على عالم الفكر كما
تنطبق على عالم المياه، و ليس غريباً من الاسلام ان يتشدد في قاعدته العقائدية،
كما ليس غريباً من الماركسية ذلك، و ليس غريباً من النظم اليبرالية العلمانية أيضاً


|172|

ان تشجب كل محاولة للتطاول على اساسها الذي تقوم عليه، و تعاقب على ذلك
بشدة، و تشدّد الاسلام في قاعدته العقائدية المتجسد في موقفه من الارتداد و من
الكفر يُعد من جملة مئات الشواهد الدالّة على‏ان الاسلام لا يعتبر نفسه مسألة
فردية، بل هو منهج شمولي للحياة الاجتماعية و السياسية أيضاً و في هذا الاطار
تأتي عدة نقاط أساسية هي:

أ. ان للعقيدة دور متقدم على الشريعة في مضمار الحضارة و النظام الاجتماعي
المطلوب من وجهة نظر الاسلام، فالعقيدة تقدّم للإنسان الرؤية الكونية الصحيحة
التي توجه المجتمع نحو المفاهيم الاساسية الصحيحة الحضارة، كالعدل و المساواة
و العلم و الاخلاق و العالمية، و تهى‏ء بذلك الإرضية الفكرية و الروحية اللازمة
لتطبيق الشريعة الاسلامية. و لذا قلنا ان العالمية لانشأة واقعية لها الا في ظل
التوحيد، كما ان العدل و الاخلاق و المساواة و سائر المفاهيم الاساسية للحضارة لا
نشأة واقعية لها الافي ظل التوحيد، والمنكرون لذلك من اصحاب الايديولوجيات
الاخرى غير التوحيدية انما ينكرون الفرع و لا ينكرون الاصل، بل ان انكارهم
مبني على التسليم بالاصل المتمثل بوجود دور أساسي تلعبة العقيدة الصحيحة في
توجيه المجتمع نحو المفاهيم الاساسية للحضارة، انما يقع البحث بين الفريقين في
ان العقيدة الصحيحة التي تلعب هذا الدور هل هي الدين ام الرؤية المادية
المقابلةله؟

ب. ضرورة طرح الاسلام من الزاوية العقائدية الإنسانية المزدوجة.

هناك ثلاثة مناهج في اسلوب طرح الاسلام هي:

1. المنهج التجريدي الذي يناقش موضوعات العقيدة من زاوية نظرية محضة
منفصلة عن الزاوية الانسانية و علاقة العقيدة بالانسان، و متجاهلة للإتجاه الانساني
في العقيدة، و هذا هو المنهج المتبع في علم الكلام منذ نشأته و حتى الان.

2. المنهج الانساني الذي يحاول ان يكيّف الاسلام و يفسره بنحو مطابق لما


|173|

يريده الانسان.

3. المنهج القرآني الذي يطرح العقيدة من زاوية سماوية مقرونة برؤية انسانية.

المنهج الاول قاصر عن الايفاء بالغرض الانساني من العقيدة، بما يحوّلها في
النتيجة الى حالة منفصلة عن الحياة، و هو من جملة العوامل التي ادّت الى اقصاء
الاسلام بمعناه الشمولي و الاصيل عن الواقع الانساني، والمنهج الثاني يحوّل العقيدة
الى العوبة بيد الانسان يكيفها كيفما شاء فتفقد اصالتها السماوية و معناها الالهي
الذي لاقيمة لها بدونه.

و المنهج الثالث هو المنهج الصحيح الذي نلمسه بوضوح في خطابات القرآن
الكريم و السنة النبوية، حيث تقرن المطالب العقائدية بالمطالب الانسانية الملحّة.
ففي القرآن الكريم نقرأ:

(و ما أرسلناك الا رحمة للعالمين) ،[1] (و لو انهم اقاموا التوراة و الانجيل و ما
انزل اليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم و من تحت ارجلهم)
،[2] (و لو ان اهل القرى
أمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الارض)
، [3] (و ان لو استقاموا على
الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقا)
،[4] (ان الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر) [5] (و اذن
في الناس بالحج يأتوك رجالاً و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا
منافع لهم)
[6] و الامر نفسه يتكرر في السنة النبوية. و الشواهد القرآنية تغني عن
تكرار الشواهد النبوية.

و لهذا الاقتران معنى و مغزى عميق يتصل بمقولة الاسلام القائلة بصلاحيته لكل


(1). الانبياء/ 107.

(2). المائدة/ 66.

(3). الاعراف / 96.

(4). الجن/ 16.

(5). العنكبوت/ 45.

(6). الحج/ 28.


|174|

زمان و مكان، فإن مقتضى هذه المقولة ان يكون الإسلام مطلباً ملحاً تتوقف سعادة
الانسان عليه، و بنحو يتيح لنا ان نفسر و بنحو دائم و شامل شقاء الانسان في
حالاته و اماكنه و ازمنته المختلفة على اساس ان السبب هو غياب الاسلام عن
متن‏الحياة.

فنقول للمجتمع المصاب بالفقر، و الاخر المصاب بالتخلف، و الثالث المصاب
بالأميّة و الرابع المصاب بالاستبداد، و الخامس المصاب بالتمييز العنصري، و
السادس المصاب بالتناحر الداخلي، و السابع المصاب بتفشي الجريمة و الانتحار، و
الثامن المصاب بانحلال الاسرة، و التاسع المصاب بظلم الحكام له، و العاشر
المصاب باعتداء الاخرين له، نقول لهذه المجتمعات جميعاً: ان الاسلام خشبة
الخلاص لكم جميعاً.

ولكي يكون كلامنا هذا حقيقة ملموسة و مبرهنة لابد و ان يكون واقعياً و
مصاغاً بإسلوب منطقي عميق و مشفوعا ببيانات و ادلة كافية. بحيث نستطيع من
خلال ذلك ابراز المعنى الانساني للإسلام في حياة كل واحد من هذه المجتمعات،
او بتعبير آخر، تستطيع كل هذه المجتمعات ان تلمس المعنى الانساني للأسلام في
حياتها، و تتأكد من حاجتها اليه، فوجود هذا المعنى امر حتمي، و البحث عنه و
ابرازه وظيفه اسلامية انسانية.

أن العقائد سواءاً كانت ارضية تعود في نشأتها الى‏ الانسان. او سماوية تعود في
منشأها الى‏اللَّه سبحانه و تعالى‏. لابد و ان يكون لها مدلول انساني، فإن كانت ارضية
فهي ناشئة من ظروف الانسان و معبّرة عن تطلعاته و رغبته في التوصل الى‏ حياة
افضل، و ان كانت سماوية فهي تجسد رحمة اللَّه سبحانه و تعالى‏ بالإنسان و حبّه له
و حرصه على‏ ايصاله الى‏ ساحل السعادة، و هذا مما يقطع به المؤمن في اصل
العقيدة الاسلامية سواء اتضح له هذا المدلول الانساني بنحو تفصيلي او بقيت
تفاصيله مجملة مكنونة في طي الغيب.


|175|

و الانسان يتعامل مع العقائد تارة عقلياً من زاوية الدليل و البرهان، و اخرى‏
حسياً من زاوية ما تحققه هذه العقائد من اغراض و ما تقدمه من عطاء و حلول
لمشاكل الانسان في حياته اليومية. و مهما تكن هذه العقائد واضحة و اكيدة من
زاوية الدليل و البرهان، فان غموضها من الزاوية الانسانية يجعلها مورد شك و
ترديد. او على‏ الاقل نقطة غير فاعلة و غير مشعة في النفس.

و العقيدة الاسلامية كعقيدة سماوية ليس بوسعنا ان نتوقع منها ان تفصح عن
أغراضها الانسانية بنحو تفصيلي لأن البيان التفصيلي يؤدي الى‏ تركيز الناحية
الحسّية في الشخصية الانسانية و يتعارض مع الشأن الاساسي للعقيدة المتمثل
باجلاء الناحية العقلية و تركيز الناحية الروحية في الشخصية الانسانية. و لذا فمن
الطبيعي ان تكتفي هذه العقيدة ببيان الحد الأدنى و بنحو كلي لأغراضها الانسانية.

مثل قوله تعالى‏: (و ما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين) .[1]

لكنها في الوقت نفسه تحث الانسان المؤمن باتجاه التعقل و التدبر المفضي في
النتيجة الى‏ تصيّد الحِكم المحتملة و الاغراض الانسانية التفصيلية المتوقعة في
مختلف الجهات العقائدية و التشريعية من الاسلام، و حينما ندعو الى‏ اكتشاف
المعنى‏ الانساني التفصيلي للاسلام بالنسبة لكل زمن و مكان و مجتمع و حالة، لابد
و ان نطرح ذلك في اطار شمولي و كمنهج اجتماعي متكامل، لأننااذا نظرنا الى
الاسلام من الزاوية الفردية الشخصية نكون قد حولناه الى هامش الحياة، و المبدأ
الهامشي، سماويا كان ام أرضيا لايمكن ان يكون خشبة خلاص لأحد من البشر،
فضلاً عن الانسانية في كل ازمنتها و امكنتها.

و حينما نتحدث عن المعنى الانساني الحتمي في الاسلام لابد و ان نتذكر
ضرورة ان يحافظ هذا المعنى على حجمه و موقعه، و ان لايتخذ من التأكيد عليه
سببا للغرور و الانتفاخ، فإن الاسلام يفرز معناه الانساني كتعبير عن الرحمة الالهية،


(1). الانبياء / 107.


|176|

كما في قوله تعالى: (و ما ارسلناك الّا رحمة للعالمين) . فإنسانية الاسلام مستقاة
من التوحيد، و التوحيد هو النواة التي تعود كل حلول الاسلام و معانيه الانسانية
اليه، و السر الذي يجعل الاسلام خشبة الخلاص الوحيدة للانسانية، و من الضروري
ان يحفظ للتوحيد موقعه كما يحفظ لكل اصل دوره المهيمن على الفروع المنشعبة
عنه. و ان لا يطغى المعنى الانساني للإسلام عندنا على النواة التوحيدية التي ينبع
منها، لئلانقع في المنهج الانساني في التعامل مع الاسلام، و هو ما اتضح فساده انفاً.

و حينما نتحدث عن الدولة العالمية في الاسلام فلابد و ان نحسن ابراز الوجه
الانساني الضروري لهذه المقولة مع التأكيد على ان الاساس في هذه المقولة ليس
هذا الوجه، و انما الاساس هو حقانية الاسلام المستمدة من التوحيد، و مما لاشك
فيه ان عملية ابراز المعنى الانساني للإسلام في هذا المجتمع و ذاك، و التعبير عنه
بنحو متناسب مع الاجيال المختلفة في كل مجتمع مع الحفاظ على الاصالة، و
اشباع كل متطلبات المعاصرة أمر ليس هينا، و هو يحتاج الى حركة فكرية عملاقة
تتناسب في حجمها و مستواها و اصالتها مع هذا المطلب الكبير جداً.

ج. الحذر من منزلقات المعاصرة.

الافراط في الأصالة امر مخالف للاصالاة نفسها، و يؤدي الى تكلّس الاسلام و
جموده في مرحلة معينة من التأريخ، والى التفريط بالمعاصرة، كما ان الافراط في
المعاصرة يؤدي الى التفريط بالاسلام، و من هنا جاءت مقولة الاجتهاد في الاسلام
لتوازن بين الضرورتين ضمن معادلة دقيقة جداً.

فالاجتهاد الاصيل الواعي هو المرجعية الفكرية المطلوبة لحل كل ما يعترض
الساحة الاسلامية من اشكاليات وجدليات في كل زمان و مكان بحسبهما، و منها
ابعاد مسألة الوطن و القومية في الاسلام و الدولة الاسلامية، فمع ان اصل موقف
الاسلام من هذه المسألة واضح و معلوم للجميع الا ان امتداداته و ابعاده المختلفة
في حياة المجتمع و الدولة و العالم امر يحتاج الى حركة فكرية مناسبة تعالجها


|177|

معالجة عميقة متوازنه بين مطالب الاصالة و ضرورات المعاصرة. و تستخرج منها
صورة حقوقية تفصيلية كافية.

د. الولاء للإسلام فقط.

في الدولة الاسلامية عنوانان متمايزان الانتماء و الولاء، فالانتماء للأرض و
الجماعة المحلية، الا ان هذا الانتماء واقع ارضي لا يملك قداسة و ليست له قيمة
ذاتية في حياة المسلم، و بالتالي لا يستحق الولاء والتبعية و الحماس، انما الولاء
والتبعية و الحماس لما له قيمة ذاتية مقدسة في حياة الانسان، الارض حاجة وهبها
اللَّه للإنسان كي يعيش عليها و يتخذها مأوى‏ له، كما هو البيت مأوىً‏للانسان، ولا
معنى‏ لان يمنح الانسان ولاءه و حماسه و تبعيته لبيته!! فإن هذا اشبه
شي‏ءبالصنمية، يصنع الانسان الصنم بيديه ثم يتوجه اليه بالعبودية و الولاء و
التقديس، اننا يجب ان نبحث عن محور الولاء في الجانب المتصل بمسيرة الانسان
واهدافه و منهجه المطلوب في الحياة و هو العقيدة، العقيدة هي المحور الذي
يستحق التقديس و الولاء و التبعية في الحياة لما تقوم به من دور في مسيرة الانسان
في حياته، فالولاء للعقيدة و لاء لمصير الانسان و مستقبله و اهدافه، والارض
لاعلاقة لها بذلك، انما هي من لوازم العيش و الحياة، و بالتالي فالولاء لها و لاء
للوازم العيش، و ما ينتفع الانسان بهذا الولاء؟ و لماذا يلهو بعشق الارض عن عشق
المصير والاهداف المرتبطة بأصل وجوده و معنى حياته؟

العقيدة هي المحور المقدس الذي يضفي القداسة على الانسان و على لوازم
عيشه و منها الارض، فيصبح المؤمن مقدساً بعد ما كان في الكفر لا قداسة له، و
تصبح لوازم عيشه و منها الارض مقدسة و تأخذ عنوان دار الاسلام بعد ما كانت
تعنون بدار الكفر.

فالعقيدة ذات قيمة و قداسة ذاتية، و من يقترب منها ويرتبط بها تحل فيه و في
لوزام عيشه رشحات مكتسبة من تلك القداسة.


|178|

و في ضوء ذلك نستطيع ان نميّز بين المفهوم الغربي عن الوطنية و القومية و
المفهوم الاسلامي عنهما، فالوطن في المفهوم الغربي يمتلك قيمة ذاتية بحيث
يستحق الولاء و الحماس، بينما امره في الاسلام غير ذلك، و هو ان الولاء و
الحماس و القيمة الذاتية للإسلام فقط و ليس للوطن الّا رشحة مكتسبة من ذلك
حينما يكون جزءاً من دار الاسلام.

والمشكلة التي تعيشها الدولة الاسلامية في ظل هيمنة الغرب و المفاهيم الغربية
في العالم، مشكلة تداخل المفاهيم في أذهان الناس بحيث انهم يتحدثون عن الوطن
بذهنية مأنوسة بالمفهوم الغربي عنه ويتناسون انهم يعيشون في ظل نظام اسلامي
عقائدي له مفهومه الاخر عن الوطن، ثم يصرّون على المفهوم الغربي و يحاولون
الاستدلال عليه بشواهد من الكتاب والسنة دون علم منهم بأنهم يدافعون عن
مفهوم‏غربي.

وحلّ هذه المشكلة يكون بإيضاح الحد الفاصل بين المفاهيم الاسلامية و
المفاهيم غير الاسلامية ايضاحاً كافيا و اكيداً، من خلال شواخص بارزة كشاخص
الحماس والولاء.

و وظيفة الدولة الاسلامية في هذا المجال تتمثل في تربية المجتمع الاسلامي
على الحماس الاكيد و الولاء القاطع للعقيدة و حدها، و الحذر من تسلل الوطنية و
القومية الى النفوس و اختلاس ذلك منها و تحويله الى محور الوطنية و القومية،
والحذر من مقولة الجمع بين الولائين و المحورين فإنها مقولة خادعة، اذليس بوسع
الانسان ان يمنح ولاءه و حماسه لمحورين متناقضين في ان واحد، و لم يُخلق
الانسان بطريقة تمكنه من ذلك، قال تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في
جوفه)
[1] و لا مجال للجمع الاعّلى اساس ان يكون احد المحورين تابعاً و الثاني
متبوعاً فإن كانت الارض تابعاً و الاسلام متبوعاً فهذا هو الحماس للاسلام و


(1). الاحزاب / 4.


|179|

المفهوم الاسلامي عن الوطن، و ان كان الاسلام تابعاً و الارض متبوعة فهذا هو
الحماس للوطن بمفهومه الغربي.


2. خطوات على الصعيد السياسي

ان اسلامية النظام الإسلامي تقاس من خلال تمسكه بالإسلام عقيدة و شريعة
ومدى ما يتسم به من رسالية في معالجته لقضايا المجتمع و الدولة و الامة بنحو
يفرز جملة من الشواخص التي تميز حركة النظام الاسلامي و اتجاهاته العامة عن
الانظمة الاسلامية.

و ابرز تلك الشواخص شاخص العالمية المتصل ببنية الدولة و المجتمع والذي
يعني اقامة دولة على اساس العقيدة السماوية بدلاً عن الانتماء الارضي الوطني او
القومي، دون ان يعني ذلك الغاء هذا الانتماء، بل وضعه في المحل المناسب له و
عدم اتخاذه كأساس في بناء المجتمع و الدولة، والاساس هو العقيدة السماوية التي
تنظر الى الارض كوحدة واحدة، والى الانسان بما هو انسان بعيداً عن خواصه
المحلية، فالدولة العالمية ليست تلك التي تحكم العالم، و إنما تلك التي لا تجعل من
الانتماء الارضي قيمة عليا و اساساً في الحياة حتى لو كانت تحكم مدينة واحدة،
فانها بذلك تتخذ صورة جوهرية مصغرة تحكم العالم، او أنهاتختصر صورة العالم
في تلك المدينة.


الدولة الاسلامية بين اطروحتين

بلحاظ بعدها العالمي يمكننا تصور اطروحتين عن الدولة الاسلامية هما:

1. التفكيك بين عالمية الاسلام كرسالة سماوية و عالمية الدولة كتجربة و
تطبيق، فالاسلام بما هو رسالة عالميةغ لا يقف عند حد، بخلاف عالميته حينما
يكون دولة، فإن عالمية هذه الدولة لا يمكنها إلّا ان تتوقف عند الحدود الجغرافية و
القومية للدول الاخرى، و حينئذ يكون لعالمية الاسلام في رسالته حسابات، وفي


|180|

دولته حسابات أخرى.

فالرسالة عالمية بنحو مطلق و الدولة عالمية بمعنى نسبي هو أن تكون هذه
الدولة عالمية ترتكز الى المبدأ السماوي و لكن داخل اطارها الجغرافي و الانساني
الخاص بها، بحيث تكون دولة اسلامية لذلك الاقليم فقط مفهوماً و مصداقاً، و ما
عداها يحمل عنوان الاجنبي و ان كان من المسلمين فرداً او جماعة او اقليماً، و قد
نجد لهذه الاطروحة انصاراً يؤيدونها بإعتبار انسجامها مع الواقع الدولي القائم على
مفاهيم الوطنية و القومية.

غير اننا و من ناحية مبدأية لايمكننا القبول بهذه الاطروحة، صحيح ان حسابات
الاسلام كرسالة تختلف عن حساباته كدولة، و لكن هذا الاختلاف بلحاظ ما هو
مستطاع و مقدور و ما هو غير مستطاع و غير مقدور، فيجب انجاز المقدور و يُصبر
على تعذر غير المقدور، و حيث ان موضوع القدرة يرتبط بالدولة اكثر من ارتباطه
بالرسالة، لذا تنفصل حسابات كل منها عن الاخر من جهة القدرة و يبقى لهما
حساب و احد من الناحية المبدأية، ذلك أن القدرة تؤثر في الانجاز و التحقق و لا
تؤثر في اصل المبدأ، فإذا واجه الاسلام امراً متعذراً في ظل ظروف دولية معينة
،فهذا التعذر لا يؤثر في اصل النظرة الاسلامية اليه، و انما يرفع التكليف الشرعي
بشأنه عن عاتق المسلمين في مقام العمل.

صحيح ان الواقع الدولي القائم على مفاهيم الوطنية و القومية لا يسمح للدولة
الاسلامية المعاصرة بتجاوز حدودها الاقليمية، لكن هذا لا يقتضي ايجاد نظرية
جديدة مركبة من الاسلام و القومية، و إنما يقتضي انجاز الممكن و تحويل الباقي
الى طموح متوثب و مبرمج بانتظار الفرصة المناسبة للإنجاز، و ربما أمكن انجاز
بعض المقدمات المؤدية اليه او المساعدة عليه.

و يمكننا ابراز الإشكال الاساسي على هذه الاطروحة ببيان ايديولوجى مفاده
ان هذه الاطروحة تؤدي الى القول بأساس جديد للدولة العالمية غير الذي ذكرناه.


|181|

فقد عرفنا الدولة العالمية هي تلك التي ترفض ان تتخذ من الانتماء الارضي
أساساً لها، و تجعل اساسها الوحيد هو العقيدة السماوية التي تنظر الى الارض
كوحدة واحدة والى الانسان بما هو انسان بعيداً عن خواصه المحلية من لون و
عرق ولغة و وطن، و المفروض اخضاع الواقع الانساني لهذا الاساس حتى تكون
هناك دولة عالمية، و لا يفترض تحقق ذلك بنحو كامل، بل يكفي تحقق القدر
المستطاع منه، مع الاحتفاظ للباقي بحقه في الوفاء له و لمقدماته مهما امكن.

بينما تقتضي هذه الاطروحة جعل الحدود الاقليمية حدّاً فاصلاً بين ما هو
مستطاع و ما هو غير مستطاع، ثم تلغي غير المستطاع من حساباتها نهائياً، صحيح
ان الناحية العملية بين العاجز و بين المنكر لامر معيّن واحدة، و لكن الفرق النظري
والعقائدي بينهما واضح و مهم، فالعاجز لا زال و فياً لمبدأه، والمنكر قد تنازل عما
عجز عنه من ذلك المبدأ، و واضح ان المبدأ امر لا يقبل التبعيض، فالايمان ببعض
واسقاط الباقي يعني بنحو ما أن هناك دولة جديدة غير الدولة العالمية التي ننشدها،
و اساساً آخر غير الذي آمنا به.

2. النظر للواقع كنواة لما هو مطلوب، و انطلاقة اولى‏ على الطريق الانساني
الجديد و عدم الاعتراف بالقومية و لا الوطنية كمبدأ و كقيمة حقوقية و ان اضطرتنا
الظروف الدولية القائمة للعمل بها خلافاً لإرادتنا في بعض المجالات، و الثبات على
هذه النظرية مهما كان المطلوب الكامل بعيداً و عسيراً.

و هذه هي الاطروحة التي تتناسب ايديولوجياً مع الاساس المذكور للدولة
العالمية، و هي التي نقصدها حينما نتحدث عن هذه الدولة بشغف. و على اساس
الايمان بها ندعو الى خطوات ضرورية في هذا المضمار.

و هنا خطوات ضرورية جداً نجملها فيما يأتي:

أ. ضرورة تدوين العالمية في واقع دستوري واضح و مؤكّد لايقبل الالتباس و
التفاسير المختلفة و بنحو تفصيلي يعالج كل القضايا الحقوقية ذات العلاقةعلى


|182|

اساس اسلامي اصيل، مثل موضوع المواطنة و تثبيت مفهوم اسلامي عنه لا يتجمد
عند حدود سكان الاقليم بل يتسع ضمن شروط معينة لسائر المسلمين، و موضوع
القيادة العليا للدولة بإعطاء دور رسمي لمسلمي سائر الاقاليم في ان تكون لهم نوع
مدخلية فيه و ان كانت مدخلية ذات طابع تشريفاتي في ظل الظروف الراهنة. إلّا أن
دستوراً اسلامياً لا يمكنه ان يتجاهل مثل هذه الجهة بالمرّة، وموضوع واجبات
الدولة الاسلامية تجاه قضايا الاسلام و المسلمين في العالم، و موضوع واجبات
المسلمين في العالم تجاه الدولة الاسلامية، بمعنى ان يترجم شعار العالمية الى واقع
حقوقي دستوري تفصيلي ثابت ينظّم العلاقات و الحقوق و الوجبات المتبادلة بين
الدولة الاسلامية و مسلمي العالم، كما ينظم العلاقات و الحقوق و الواجبات
المتبادلة بين سكان الدولة في الداخل من ابناء القوميات المختلفة التابعة للواء
الاسلام، و يعالج الموضوعات و القضايا ذات العلاقة به على اساس ما يقتضيه من
المعالجات و الحلول.

ب. بعث روح الدعوة الاسلامية في المجتمع.

المجتمع الاسلامي مجتمع مسؤول تجاه الاسلام و يتعامل بإيجابية تجاه
المجتمع البشري من واقع الحرص على ايصال مشعل الهداية الالهية لكل انسان، و
من هنا فهو مكلّف بدعوة المجتمعات غير الاسلامية الى الدخول في الاسلام و
الانطواء تحت لواءه، و هذه وظيفة رسالية مقدسة لابد من تعبئة اقصى الطاقات من
اجلها، و لابد من أن تنهض بها كافة الا جهزة الثقافية و الدبلوماسية و الا علامية و
السياسية ذات العلاقة بها من اروقة الدولة و المجتمع.

ويسا عدنا على انجاز هذه المهمة ما يتحلى به الانسان المعاصر من استعداد
كافٍ‏للتغيير باتجاه المعنويات و العزوف عن حياة ذات بعد واحد هو البعد المادي، و
هو استعداد ليس بوسع دين ان يتجاوب معه غير الاسلام، و فراغ ليس بوسع دين
ان يملأه غيره، و الشاهد على ذلك الاقبال الملحوظ نحو الاسلام في العقود الاخيرة


|183|

من داخل اوربا، و تمايل عدد من القمم الفكرية الغربية نحوه.

ويسا عدنا على ذلك ايضاً القدرة الانتشارية الواسعة للإسلام المتجلية في
شواهد تاريخية كبيرة و قاطعة ابرزها الشاهد الاندونسي الذي يشهد بأن اكبر بلد
اسلامي قد دخل الاسلام من خلال عدد من الدعاة التجار المسلمين الذين احسنوا
اداءهذه الوظيفة فكانت نتيجة عملهم دخول الشعب الاندونيسي في الاسلام، نعم
عدد من الدعاة التجار لا العلماء، و لم يسجل التاريخ ان الاسلام وصل الى نقطة ثم
انحسر عنها، و ما حصل في الاندلس لم يكن انحساراً للإسلام و انما استئصالاً
دموياً للمسلمين.

إن الانسان الواثق من نفسه الثابت على مبدأه هو الوحيد القادر على تفهم مدى
ايجابية هذه الوظيفة و قدسيتها، و الانسان الذي يخضع لمقولات الاخرين و يذعن
امامها بإستلاب لا يستطيع ان يدرك المغزى الحضاري لها.

و حينما لا يشعر المسلم بحرارة تجاه وظيفة الدعوة الاسلامية بين غير
المسلمين فهذا يجسد مدى احتياجه الى اعادة تشكيل شخصيته من جديد طبقاً
للمواصفات القياسية المطلوبة للشخصية، و لو كان المسلم المعاصر يملك شخصية
بهذه المواصفات لوجدناه يتمسك بهذه الوظيفة لا بما هي وظيفة شرعية فقط، و انما
بما هي اسلوب امثل لدحض الغزو الفكري الغربي الذي يتعرض له العالم الاسلامي
منذ قرن من الزمن ايضاً، فكما يعمل الغرب على كسب الانصار و المؤيدين له من
بين المسلمين، فلماذا لايعمل المسلمون على كسب الانصار و المؤيدين لقضاياهم
و دينهم من بين الغربيين؟ و كما يعمل الغرب باتجاه تغريب المسلمين و فرض نمطه
الحضاري عليهم فلماذا لا يعمل المسلمون باتجاه اسلمة الغرب؟ بل لماذا لا
يتعقلون هذا المعنى ويرونه ضرباً من الخيال؟

لقد حدّثنا التاريخ ان النبي (ص) تناول معولاً في غزوة الخندق و ضرب به


|184|

صخرة فتهشمت فقال: «لقد فتح اللَّه عليّ في ضربني هذه كنوز كسرى و قيصر».[1]

و هذا درس نبوي يفيد ان الشخصية السوية هي التي تحوّل حتى الخيال الى ثقة
عارمة بالنفس، بينما الشخصية السقيمة تتهم نفسها بالخيال في ابسط الممكنات.

ح. ضرورة مكافحة المعنى القومي المرفوض في حياة المجتمع الاسلامي.

و من الخطوات الضرورية التي لابد للدولة الاسلامية ان تخطوها على طريق
انجاز و تجسيد عالميتها مكافحة الشعور القومي و الحيلولة دو ن تغلّبه على الشعور
الاسلامي في المجتمع، فالاسلام ليس ضد القومية بما هي تعبير طبيعي عن الذات،
و انما هو ضد القومية حينما تطغى و تريد ان تكون مثلاً أعلى و قيمة حاكمة في
المجتمع، فالشعور القومي كما هو الشعور الوطني تعبيران عن شعور الانسان بذاته و
بنفسه، و اذا اعتبرنا الاسلام مضاداً لأصل الشعور الوطني و القومي فإنما نعتبره
بذلك مضاداً لشعور الانسان بذاته، و هذا امر لا يمكن نسبته الى الاسلام.

والنسبة الصحيحة هي أن الاسلام جاء من أجل الانسان - فرداً أو قومية -
صيانة لوجوده من المفاسد و الاخطار و المنزلقات، و مقتضى ذلك ان يكون الاسلام
حاكماً و الانسان محكوماً، و كل تمرد و طغيان من الانسان على حاكمية الاسلام
المفترضة سماوياًعليه امر مرفوض من قبل الاسلام، فالحاكمية هي الحد الفاصل
بين ما هو مقبول و ما هو مرفوض من القومية، فالقومية المقبولة هي التي لا تطمع
بالتحول الى قيمة حاكمة، والقومية المرفوضة هي التي تسعى بهذا الاتجاه و ترفض
حاكمية الاسلام عليها، قال تعالى: (أفرأيت من اتخذ الهه هواه)
[2] و الاله بهذه الآية
المحور الحاكم في النفس و المجتمع، فإن كان الاله هو اللَّه فالنفس تذعن له و
المجتمع يخضع له، و ان كان هو الهوى فالنفس لاتريد اللَّه و لا تقبل بحاكميته سواء
كانت هذه النفس فرداً أو أُمة، فحينما يرفض الفرد حاكمية اللَّه عليه فلاجل حلول


(1). الكافي / ج 8 / ص 216.

(2). الجاثية/ 23.


|185|

حاكمية الهوى في نفسه، و حينما ترفض الأمة حاكمية الله عليها فلاجل حلول
حاكمية الهوى في نفسها و حاكمية الهوى في الامة تتجلى من خلال مظاهر عديدة
من ابرزها القومية، فجدلية الاسلام و القومية ليست جدلية وجود و انما هي
جدليةحاكمية.

و حينما نتحدث عن دولة اسلامية و حاكمية الاسلام فلابد و أن نتحدث عن
سبل مكافحة البدائل التي تتحدى الاسلام في حاكميته، و في مقدمتها القومية و
لابد من بيان الحد الفاصل بين شعور قومي مقبول و شعور قومي مرفوض من خلال
مؤشرات و علامات واقعية و ملموسة في كل من الحالتين، ثم بيان سبل معالجة و
مكافحة الشعور المرفوض، بل سبل تجفيفه و الحيلولة دون ظهوره و سبل معالجة
آثاره في الحياة بمجالاتها المختلفة، كمحاولات التفسير القومي للسلوك
الاجتماعي، و الواقع التاريخي و الحضاري و محاولات احياء الجاهليات السابقة
على الاسلام و تركيز الانتساب اليها بدلاً عن الاسلام.


3. خطوات على الصعيد الثقافي

إذا اعتبرنا الثقافة مقولة محلية تجسد خصوصيات مجتمع معين فيما يتعاطاه من
افكار و مفاهيم و رسوم اجتماعية و عادات و قيم، فلابد للدولة الاسلامية ان
تقسمها الى ثلاثة اقسام، و تتعامل مع كل قسم منها بما يناسبه.

القسم الاول: الثقافة المحلية المستفادة من الاسلام بنحو يتيح لنا اطلاق تسمية
الثقافة الاسلامية عليها، و القسم الثاني الثقافة المحلية المستفادة بنحو من الانحاء
من واقع جاهلي قديم أو حديث مخالف للإسلام، و القسم الثالث الثقافة المحلية
المحايدة التي لا تنتمي الى الاسلام و لا الى مخالفيه.

القسم الاول هو الأفكار و المفاهيم و الرسوم و العادات و التقاليد و القيم التي
يجب على الدولة الاسلامية اشاعتها و تبنيها كثقافة حاكمة، و القسم الثاني هو
الأفكار و المفاهيم و الرسوم و العادات و التقاليد و القيم التي يجب على الدولة


|186|

الاسلامية مكافحتها بوصفها ثقافة معادية، و القسم الثالث هو الأفكار و المفاهيم و
الرسوم و الاعياد و العادات و التقاليد و القيم التي يباح للمجتمع فقط دون الدولة
ممارستها كثقافة من الدرجة الثانية، و ذلك لأن الاسلام يعلو و لا يعلى عليه،
فالثقافة المحايدة لا تكون بمرتبة مساوية للثقافة الاسلامية في مجتمع اسلامي، أما
الدولة الاسلامية فمن المفترض أن تكون دولة ايديولوجية لاتعمل و لاتطّبق و
لاتروّج إلا الثقافة الاسلامية المحضة و لا يباح لها ممارسة ثقافة محايدة، إلّا
لأسباب خاصة و حالات ثانوية.

وهنا نقاط اربع تستحق الاشارة:

أ. ان على الدولة الاسلامية أن تسخر اجهزتها الاعلامية و التعليمية و الثقافية و
التربوية في مجال خدمة و ترويج الثقافة الاسلامية وتعميقها في المجتمع، فالمناهج
الدراسية، و الصحف، والاذاعة، و التلفزيون و سائر الاجهزة الرسمية ذات العلاقة
لابد من ان تأخذ على‏ عاتقها بنحو مبرمج و مدروس و متضامن مهمة تصفية الثقافة
غير الاسلامية و ترويج الثقافة الاسلامية و الحيلولة دون طغيان الثقافة المحايدة و
تجاوزها الحد المرسوم لها آنفاً.

ب. على الدولة الاسلامية أن تعمل على تزريق الروح العالمية في المجتمع
الاسلامي و تنقيته من النظرة المحلية المتعصبة والضيقة، وان تشجع روحية
الاختلاط بين رعاياها و سائر مسلمين العالم و تعمل على صهرهم في بوتقة واحدة
بحيث يتعمق لديهم الشعور بالامة الاسلامية الواحدة و ان كانت الظروف الدولية لا
تسمح لهم بالعيش على صعيد سياسي و حقوقي واحد، و ان تتجنب اطلاق و صف
الاجانب على المسلمين من البلدان الاخرى، و عليها أن تعتبر ترسيخ النظرة
الايمانية الواسعة و محاربة النظرة المحلية المادية الضيقة ضرورة عقائدية لايمكن
لدولة اسلامية أن تقوم بدونها.

ج. و في سياق تعميق الروح العالمية في المجتمع و الدولة، ينبغي تجنب طرح


|187|

الرموز الاسلامية بنحو يتبادر منه المعنى المحلي، والتركيز على الطرح العالمي الذي
يبين المكانة العالمية للرسول الأعظم (ص) بوصفه أعلى رمز في التاريخ في
مضمار التغيير و الاصلاح، والمكانة العالمية لأميرالمؤمنين(ع) بوصفه اعلى رمز في
التاريخ في مضمار العدالة الانسانية، و المكانة العالمية للإمام الحسين (ع) بوصفه
أعلى رمز ثوري في التاريخ، و هكذا الامر بالنسبة لسائر الائمة (ع) حتى نبلغ
الامام المهدي (عج) الذي سيكون الخلاصة لهذه الرموز كلها.

و مانفعله بشأن النبي (ص) و الأئمة (ع) يمكننا أن نتواصل فيه حتى نطبقه على
رموز المسيرة الاسلامية المعاصرة كالامام الخميني و الشهيد السيد محمد باقر
الصدر (رض) و العلاّمة الطباطبائي بوصفهم رموزاً فكرية و ثورية عالمية النطاق
والاستحقاق، و مشاريع لاصلاح المسيرة البشرية ككل.

إن الطرح العالمي لرموز الاسلام و قيادات المسلمين من خلال وسائل الإعلام
ولوحات الفنانين و كتابات الادباء و عبارات المثقفين و غير ذلك من قنوات النشر و
التبليغ من شأنه أن يكرّس و يعمق الروح العالمية في المجتمع الاسلامي، اضافة الى
مايحققه من خدمة فكرية و اعلامية للاسلام و المسلمين في الخارج. و مما يتنافى
مع هذا الطرح ان تذكر هذه الرموز بإنتماء اتها المحلية كما لو كانت شخصيات
وطنية على‏ غرار حديث الالمان عن فلاسفتهم وقادتهم و مفكريهم. فإن هذه الرموز
ليست وليدة الخصائص المحلية حتى‏ تنسب اليها و انما هي وليدة الاسلام، و لذا
فهي عالمية مضموناً و عنواناً.

د. ان منطق الاسلام هو منطق (الحمد للَّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا
أن هدانا اللَّه)
[1]منطق (لاتمنوا علىّ اسلامكم بل اللَّه يمن عليكم أن هداكم
للايمان)
[2]، المؤمن يذكر خدمات الاسلام له، و منّة اللَّه عليه، و لايفتخر بنفسه أمام


(1). الاعراف / 43.

(2). الحجرات/ 17.


|188|

الاسلام. أو ينسب لنفسه فضلاً عليه.

و هذا المنطق يساعدنا على معالجة بعض الممارسات التقليدية المستوردة من
انظمة الحكم القومية، كالإفتخار بجاهليات ما قبل الاسلام و الحديث بمنطق
التفضل على الاسلام، و كأن القومية الفلانية هي العامل في ظهور الحضارة
الاسلامية و بالتالي فهي المتفضلة على الاسلام، و ليس للإسلام فضل على أحد.

و حينما نستنكر هذا النمط من التفكير لا نريد أن ننكر ادوار و خدمات هذه
القومية أو تلك، و أنما نريد أن نقول: أن الدولة الاسلامية مكلفة بتثقيف رعاياها
ثقافة اسلامية، و لا مانع من ذكر حقائق وطنية و قومية معينة في المجالات
الاكاديمية و حتى غير الاكاديمية المتناسبة معها، بشرط أن لا يكون هناك تكرار و
تأكيد و اشاعة واسعة تأخذ معنى التثقيف بالاتجاه القومي، أو تفتح باباً من هذا
القبيل في الحياة الثقافية للمجتمع الاسلامي.

و قد علّمنا الاسلام على استقباح الافتخار حتى بما هو امر واقع، إلّا اذا توقفت
قضية الاسلام و نصرته على ذلك، و افتخارات النبي (ص) و أهل البيت (ع) كلها من
هذا القبيل و ليس فيها معنى التفضل على الاسلام. بل هي مفعمة بذكر فضل الاسلام
في ايجاد كل ذلك.

واسوأ حالة تظهر حينما تنسب انجازات الاسلام و افتخاراته في قالب قومية
معينة كما لو كانت انجازات لها و ليست للاسلام، فهذه اسوأ مصادرة و نسبة
من‏نوعها.

تعداد نمایش : 3814 <<بازگشت
 

 فهرست مجلات فصلنامه حکومت اسلامی بصورت فایلهای PDF

 

 

 فهرست کتاب ها 

 

 

درس خارج
«فقه نظام سیاسی اسلام»
استاد: حضرت آیت‌الله محسن اراكی دام‌عزه

         کلیه حقوق برای مرکز تحقیقات علمی دبیرخانه خبرگان مجلس محفوظ است.

صفحه اصلی|اخبار|راهنمای تنظیم و ارسال مقالات|کتاب ها|فصلنامه|درباره ما